الحياة / يكاد الاهتمام الأميركي، سياسياً وإعلامياً، أن ينتقل من الشأن العراقي إلى الموضوع الإيراني في تحديد المسألة الخارجية الأكثر حساسية وحرجاً والتي يتوجب على الحكومة الأميركية معالجتها. وفيما صوت الأقلية في هذا الاهتمام يشدّد على ضرورة عدم تكرار الأخطاء التي ورّطت الولايات المتحدة بالحرب في العراق، فإن غالبية المساهمات العلنية في هذا الموضوع تأتي لتؤكد أنه لا مفر من استئصال الخطر الإيراني قبل أن يستكمل تشكله، سواء تم ذلك من خلال مبادرات سلمية دولية، أو من خلال عملية عسكرية. والقناعة السائدة في العاصمة الأميركية، في الوسط المؤيد لحكومة الرئيس بوش كما في الوسط المعارض له، أن الخطوات العسكرية آتية لا محالة. فالإبهام هنا هو حول طبيعتها ومداها، لا حول حصولها. لكن، رغم هذه القناعة، فإن المعطيات الموضوعية لا تشير إلى حرب أميركية محتّمة مع إيران، دون أن تكون المعطيات الموضوعية وحدها?، ?للأسف?، ?صاحبة القول الفصل في سير التطورات السياسية.
لا غرابة في أن تكون الحكومة الأميركية قد جعلت من حيازة إيران للسلاح النووي خطّاً أحمر لا يجوز تجاوزه، وذلك لاعتبارات مبدئية وتاريخية على حد سواء. والولايات المتحدة تتعايش لتوّها مع قدرات نووية في كل من إسرائيل والهند وباكستان، وحتى كوريا الشمالية، في الوقت الذي ترفض فيه حصول إيران على هذه القدرات رفضاً تاماً. ولا تناقض أميركياً في هذا الاختلاف في الموقف، حيث أن المعيار ليس الإنصاف النظري، بل المصلحة الوطنية الأميركية. فإسرائيل هي الحليفة الحميمة، والعلاقات مع الهند كما باكستان وطيدة وإن كانت متلكئة أحياناً، أما كوريا الشمالية فثمة ريبة منها وسعي حثيث إلى تطويقها، دون أن يكتسب هذا السعي طابع الإلحاح والضرورة الفورية الذي يحيط بالموضوع الإيراني. ذاك ان إيران وحدها هي التي أطلقت شعار «الموت لأميركا». فمن حيث المبدأ، ودون الانغماس في تحليل تفكيكي للخطاب الإيراني يدرجه في خانة الرمزية والمزاودة الكلامية، خلاصة الموقف الأميركي هي أن الولايات المتحدة لن تقبل أن يحصل طرف يدعو إلى موتها على سلاح كفيل بتحقيق هذه الدعوة.
ولا تعتبر أوساط السياسة والفكر في الولايات المتحدة أن المسألة نظرية وحسب، بل تستذكر حلقات تاريخية، وإن بشكل انتقائي، تؤكد على أن التهديد الإيراني ليس مجرد تهويل لفظي. ولا يرضى المتابعون للشأن الإيراني في الولايات المتحدة بمقولة أن إيران، منذ قيام الثورة الإسلامية فيها عام 1979، لم تباشر بحرب، بل كانت المعتدى عليه في حربها في الثمانينات مع نظام صدام حسين والذي حصل على دعم وتأييد أميركيين. فالرد على ذلك هو أن إيران قد تمرّست بالحرب الخفية وغير المتوازية، فهي المسؤولة بالتالي عن مقتل 243 من الجنود الأميركيين في بيروت قبل عقدين ونيف، وهي المسؤولة عن التفجيرات القاتلة التي شهدتها كل من السعودية والأرجنتين في العقد الماضي. وجميع هذه الاعتداءات نفذتها مجموعات سرية تربطها الولايات المتحدة بإيران. فالخطر من حيازة إيران على السلاح النووي بالتالي هو رفع القدرة على القتل لدى هذا المنهج الإيراني المعتمد على الشبكات غير العلنية. وهذا التقييم هو ما يُدرج حزب الله اللبناني أميركياً في خانة المنظمة المعادية للولايات المتحدة، إذ لحزب الله الإمكانيات الميدانية الفعلية والمجربة على استعمال السلاح الإيراني بما يحقق أهداف طهران مع محافظتها على قدرتها على إنكار أي تورط.وحزب الله كما إيران يرفع شعار? «الموت لأميركا?».
المسألة، إذاً، من وجهة نظر أميركية، غير قابلة للتفاوض: لا يجوز أن تحصل إيران على السلاح النووي. أما الفصل في ما إذا كان السبيل إلى فرض هذا المنع عبر الوسائل السلمية أو الحربية، فيعود إلى جملة اعتبارات أولها، نظرياً على الأقل، الاعتبار الاستخباراتي. وتقارير الاستخبارات الأميركية قاطعة في أن هدف البرنامج النووي الإيراني ليس سلمياً، لكنها غير حاسمة في شأن الأفق الزمني لنجاحه العتيد. ويبدو أن هذه التقارير ميالة إلى تحجيم فرص النجاح النووي الإيرانية من خلال الإشارة إلى تخبط في أداء البرنامج الإيراني وافتقاره الى بعض المقومات. غير أن صدقية هذه التقارير، أو على الأقل فعاليتها، مطعون بها من جهات تذكّر بأن المعلومات الاستخبارية الأميركية في شأن أسلحة نظام صدام حسين كانت مغلوطة، وأنه ليس في وسع الولايات المتحدة، في هذه الحال، الركون إلى تقييم لا يتطلب التحرك الفوري.
وإذا كان العنصر الاستخباراتي عنصراً موضوعياً استنفدته الجوانب الذاتية، فإن العنصر التالي، وهو الحاجة إلى المحافظة على الهيبة الأميركية عالمياً، عنصر ذاتي يرتقي به البعض إلى مصاف الموضوعية. فالرأي هنا هو أنه لم يعد في وسع الولايات المتحدة الاكتفاء بالتهديد في ما يتعلق بالأمور التي تطال أمنها ومصالحها، لا سيما بعض الفشل الحاصل في العراق. ولا بد للولايات المتحدة من عمل حازم يعيد التأكيد للأعداء والأصدقاء على السواء على أنها قادرة على فرض إرادتها عند الضرورة. بل الكلام في الأوساط المقربة من الرئيس بوش نفسه هي أنه في حاجة إلى انتصار، وتدمير القدرات النووية الإيرانية الناشئة قد يكون الانتصار المطلوب.
ولا شك أن العنصر الأكثر دفعاً باتجاه تحرك عسكري أميركي يزيل احتمالات اكتساب إيران السلاح النووي هو الحملة الإعلامية والسياسية المكثفة التي تقودها جهات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لها تعتبر أن الخطر الإيراني يهدد إسرائيل أولاً، بالنيابة عن الولايات المتحدة. وتشير هذه الجهات إلى الخطاب التصعيدي حول حتمية زوال إسرائيل والذي يعتنقه كل من الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد وأمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله. والرأي هنا هو أنه إذا كانت الحاجة الأميركية إلى اعتراض البرنامج النووي الإيراني حاجة وقائية، فإنها إسرائيلياً حاجة استباقية. ذلك أن الخطر داهم، وإسرائيل هي خط الدفاع الأول إزاء إيران. وقد تمكن هذا الرأي بالفعل من حشد ما يقارب الإجماع السياسي الأميركي، كما تجلّى في المؤتمر المنعقد مؤخراً في مدينة هرتسيليا الإسرائيلية، والذي ضم شخصيات أميركية من مختلف التوجهات والانتماءات السياسية.
وعلى رغم الوعود التي حصل عليها دعاة الحزم الإسرائيليون من الساسة الأميركيين، فإن تحقق الحرب الأميركية على إيران يبقى محكوماً أولاً بالاعتبارات الأميركية. فالكلام حول الخطر الإيراني على إسرائيل، رغم شيوعه، أقل أهمية للتعبئة الجماهيرية في الولايات المتحدة من الكشف عن تورط إيران في نشاط مباشر معادٍ للولايات المتحدة، لا سيما في العراق. وواقع الحال أن انزلاق واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع إيران يصبح أمراً شبه حتمي في حال انكشاف ضلوع طهران في الأعمال العنفية التي تطال القوات الأميركية في العراق، وهو على ما يبدو أمر حاصل. وثمة تضارب في هذا الصدد. فمن جهة ثمة قول يؤكد أن هذا الضلوع ثابت منذ فترة غير وجيزة، غير أن الجهات الرسمية الأميركية قد جنحت إلى التقليل من أهميته، إلا أن تفاقمه في الفترة الأخيرة لم يعد يسمح بالتقليل منه. وثمة قول مناقض يرى أن الجنوح الأميركي مؤخراً هو إلى تضخيم الضلوع الإيراني تحضيراً للعمل العسكري.
لا تحتاج الولايات المتحدة اليوم إلى الإقدام على عمل عسكري يستهدف إيران. لكن الاعتبارات المتجاذبة، أميركياً وإسرائيلياً، لا تنفي احتمال إقدام حكومة الرئيس بوش على ضربة. وثمة عاملان إضافيان قد يكونان كفيلين بحسم الموقف لتجنب هذه الضربة هما:
أولاً، موقف عربي يفصل ما بين تخاصم البعض على الساحة العربية مع إيران وبين النتائج الوخيمة التي لا بد أن تطال الكل نتيجة للضربة، ولا يمنح الولايات المتحدة لا البراءة ولا التحفيز للإقدام عليها، بل يدعوها إلى التروّي والسعي إلى تحقيق أهدافها بالوسائل السلمية،
وثانياً، وهو العامل الأهم، مراجعة إيرانية داخلية لجدوى الخطاب التهويلي، بل لمضمون التعبئة العقائدية التي تبقي إيران هدفاً للولايات المتحدة ولإسرائيل، وتبقي مناطق نفوذ إيران، لا سيما الساحة اللبنانية، معتركاً للمساومة العنفية.