مجلة العصر / مرت الدوافع السياسية لتحريك الشارع الشيعي بمراحل متعاقبة، عملت خلالها المؤسسات الحزبية الشيعية على اختراع دوافع متعددة، حققت لهذه الأحزاب مكاسب متباينة، لكنها أدخلتها في طريق مسدود، لأنها إن أرادت يوماً أن تُصلح، فستحتاج إلى أن تتخلى عن كيانها ومكاسبها ودورها، وهكذا فإنها بالنتيجة ماضية في طريق لا رجعة فيه، خصوصاً وأنها أوغلت في دماء الأبرياء، ولعل الغريب أن هذه الأحزاب التي تدعي التشيع، كانت تحتاج في مراحل معينة إلى افتعال مجازر في صفوف الشيعة، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، لتفعيل هذه الدوافع.
والمتتبع للدوافع المحركة في كل مرحلة، يجدها تندرج في إطار ما يسمى بـ(المظلومية)، فصار لابد لهذه القوى أن تقوم بإبقاء المجتمع الشيعي في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، لإنعاش هذه العقلية، وغالباً ما يصاغ الدافع على شكل إثارة المخاوف، تصل إلى مستوى من الرعب الاجتماعي، ويتم اعتماد نموذج (العدو السني)، وبمواصفات تتفق مع الثقافة الطائفية ... وفشلت هذه الأحزاب والقوى العاملة في بناء دوافع وطنية أو فكرية، غير الدوافع الميكافيلية المبنية على العقلية الطائفية، التي حققت لهذه القوى العديد من المكاسب المرحلية، لكن على حساب تدمير المجتمع، والزج به في أتون ودوامة ممارسات طائفية سلوكية، وصلت إلى مستويات متقدمة من العنف.
* مرحلة المظلومية قبل الاحتلال:
يمكن وصف الدافع في مرحلة ما قبل الاحتلال، بكونه الاستجابة وردود الفعل تجاه الحاكم السني، وهذا الدافع كان له الأثر في حشد المجتمع الشيعي مرات عديدة، وعند سقوط الدولة، تحول هذا الضغط إلى عملية انتقام من مؤسسات الدولة ومنشآتها وتدميرها، حيث لم تدمر بأيدي المحتل، وتحول إلى ممارسات للشعائر، حيث خرج الجمهور الشيعي لإحياء إحدى المناسبات الشيعية التي تزامنت مع الاحتلال.
نقطة الاحتلال تسببت للقوى الشيعية بإشكالية انتهاء الدافع المحرك للجماهير، وبذلك تحفزت هذه القوى باتجاه إبقاء الزخم لهذا الدافع، فاستحدثت قضية المقابر الجماعية التي قللت من سرعة الانحدار لهذا الدافع، رغم ارتفاع مستوى الممارسات الجماهيرية، عبرت العديد من القوى الشيعية عن شعورها بالنصر، فربط حزب الدعوة يوم النصر (احتلال العراق) بذكرى إعدام رمزه محمد باقر الصدر.
أدى الانفتاح والانتعاش في العمل الاقتصادي إلى تشتيت الدافع الذي صنع لسنوات عديدة، وهو ما أدى إلى ارتفاع مستوى الصراعات الداخلية، وصل إلى مراحل ميدانية من الاشتباكات، حتى داخل المنظمة الواحدة، كما تم رصد المشاكل بين منظمة بدر والمجلس الأعلى، التي انتهت بمقتل مجموعة من القيادات في الطرفين، فضلاً عن الإشكالات التي أُثيرت في أوساط تنظيمات متباينة، مثل التيار الصدري والمجلس الأعلى، تدخلت العديد من الأطراف الشيعية من أجل الضغط على هذه القوى لتقليل مستوى الصراعات بينها.
* مرحلة بناء الدوافع المتعددة لتوحيد الصف:
تبع هذه المرحلة، مستوى متسارع من العمل من أجل (صناعة العدو) أو (صناعة المظلومية) من جديد، حيث قامت الشخصيات المعممة والإعلامية، ببث الرعب والتخويف من عدو بدأ بإبادة الشيعة، في تلك الفترة كانت العديد من الإذاعات المحلية تقوم بنقل وقائع جرائم ضد الشيعة، يقوم بها أفراد ينسبون إلى المكون السنة، وقد تبنى بناء هذا الدافع المجلس الأعلى ومؤسساته والمؤسسات التابعة لمرجعية السيستاني ...
أما التيار الصدري، فقد ابتدع دافعاً، شذ فيه عن المنظومة الشيعية وعقلية المظلومية، وهو مقاومة المحتل الظاهرية، التف الشارع الشيعي حول مفردات مقاومة المحتل بدرجة أعلى بكثير من مفردات الطائفية وبث ثقافة الكره والفصل الاجتماعي، برغم الأثر الذي أحدثته الأخيرة وقتها، وكانت الاتهامات توجه حينئذ إلى منظمة بدر.
وساهمت مقولات المقاومة، التي أطلقها التيار الصدري، في بناء نوع من اللحمة الاجتماعية والوطنية، والتي وصلت إلى ذروة التعاطف وقتها في أحداث الفلوجة الأولى، حيث استقبل سكان بغداد أهالي الفلوجة المهجرين وقت المعارك استقبال الأبطال، وكانت هذه التحركات، قد بادرت بها العوائل الشيعية والسنية، الأمر الذي دفع القائمين على البرنامج الشيعي إلى تعديل الدافع بشكل ملفت، يلغي هذه اللحمة والتقارب، وكان لابد من تحرك عاجل يدفع باتجاه الفرقة وتشيت الصف العراقي، فبرز لنا العدو الجديد، ألا وهو (المقاومة السنية) أو (الإرهاب السني) أو (الزرقاوي) أو ما شئت من هذه التسميات، التي شكلت الدافع الجديد المحرك للمظلومية الشيعية .. فحصلت مجموعة كبيرة من الجرائم التي استهدفت الجماهير الشيعية، نُسبت جميعها إلى المقاومة السنية، لعل من أبرزها (تفجير سامراء)، ويجب أن لا ننسى دور تنظيم القاعدة الذي دأب في هذه الفترة على ضرب التجمعات الشيعية من المدنيين بصورة عززت المخطط الإيراني في العراق.
استمر هذا الحال حتى ظهور مجالس الصحوات وضربها لتنظيم القاعدة، وإعادة بعض الأمن لعدد من المناطق السنية، وهنا تسلل الإرباك من جديد إلى داخل الأحزاب الشيعية، حيث إن تنظيم القاعدة، الذي كان الدافع الأبرز للمظلومية الشيعية، ضُرب من قبل تيار سني مسلح، ليس من قبل الحكومة أو قواتها الأمنية، فحدث اختلال في معايير التقييم والتصنيف للصديق أو العدو عند الجماهير الشيعية، وأدى ذلك إلى حدوث الكثير من الاضطرابات في الشارع الشيعي، فنبشت صراعات شيعية – شيعية، وظهرت تيارات جديدة تستهدف المرجعيات الشيعية بشكل مباشر، مثل جماعات اليماني وغيرها، فحدث الاختلال الذي أشرنا إليه من خلال الرسم البياني المرفق مع المقال.
وما يهمنا هنا، هو ارتباك واضطراب الأحزاب الشيعية المرتبطة بالمشروع الإيراني، وعجزها عن لململة جماهيرها وتوحيد الصف الشيعي، الذي يعيش اليوم حالةً من الانقسام لم يشهد له مثيلاً منذ بداية الاحتلال... فالمطلب العاجل عند هذه الأحزاب: إنشاء أو إبراز عدو مشترك لجميع الأطراف الشيعية، يوحد صفوفها من جديد، هذا العدو لابد أن يتمتع بصفات وخصائص تناسب طبيعة المرحلة والاتهام الذي سيوجه إليه، فهو أولاً يجب أن يكون داخل العملية السياسية، وصاحب تأثير في العمل السياسي أو الميدان الواقعي، وعليه فإن الحزب الإسلامي قد يكون هو المرشح الأول في أن يكون الدافع الجديد للمظلومية الشيعية، أما المرشح الثاني، فهي مجالس الصحوة، أو قد يكون المحتل الأميركي، وذلك حسب ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، والاتجاهات التي سوف تسلكها.
إن الخطورة تكمن في أول الاحتمالين، فأن يكون الحزب الإسلامي أو الصحوة دافعاً للمظلومية الشيعية، فهذا من شأنه أن يقود إلى مواجهة طائفية ثانية واسعة النطاق، سيكون لها النتائج الكارثية على الشعب العراقي، وعلى أهل السنة خصوصاً، ونتوقع ارتفاعاً في مستوى الاضطراب في المناطق الشيعية تمهيداً لإعلان العدو الجديد حسب النظرية الميكافيلية الشيعية، لذلك على المخلصين من أهل هذا البلد أن يتوقعوا أحداثاً كبيرة يراد بها لملمة البعثرة الشيعية، فنحن بانتظار جريمة أخرى تنسب إلى أهل السنة، لكي تتمكن القيادات في المشروع الإيراني من لملمة الشتات قبل خوض انتخابات العام المقبل، وننتظر ردة الفعل، التي يتم تهيئة مليشياتهم للقيام بها، بذريعة الرد على الجريمة المزعومة.
أما الاحتمال الثاني، بروز مقاومة شيعية واسعة، تستهدف قطف ثمار الجهاد السني في الأعوام المنصرمة في حال عدم خروج الاحتلال، أو الإمساك بزمام الأمور في حال خروجه.