الكونجرس يبحث تراجع صورة أمريكا عالمياً / محمد عبد الله يونس
التاريخ:13/07/1429
الموافق 16/07/2008 |القراء:189
|
نسخة للطباعة
المصريون / أثرت السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب علي الإرهاب بشكل سلبي عليالمكانة الدولية للولايات المتحدة"، هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي توصلتإليه اللجنة الفرعية للمنظمات الدولية وحقوق الإنسانSubcommittee on International Organization & Human Rights بلجنة الشئون الخارجيةالتابعة لمجلس النواب الأمريكي House Committee On Foreign Affairs فيتقريرها الصادر يوم 11 يونيو 2008 بعنوان "تراجع سمعة الولايات المتحدةدوليا : لماذا ؟ " "The Decline in American Reputation ,Why ? " والذيكان موضع جلسة الاستماع التي عقدت في ذات اليوم لمناقشة ما ورد في التقريرمن نتائج بمشاركة عدد من المتخصصين الأكاديميين في العلاقات الدوليةودراسات الرأي العام. حيثأشار بيل ديلاهنت Bill Delahunt رئيس اللجنة الفرعية للمنظمات الدوليةوحقوق الإنسان في افتتاح الجلسة إلي أن غالبية استطلاعات الرأي توصلت فيمايشبه التوافق العام إلي أن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد إدارةالرئيس بوش الابن قد أدت لتنامي تيارات مناوئة للمصالح الأمريكية سواء فيمنطقة الشرق الأوسط أو في إطار حلف شمال الأطلسي أو بين دول أمريكااللاتينية الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية وهو ما أثار تساؤلاًهاماً حول أسباب هذه الظاهرة وأثرها علي وضع الولايات المتحدة في النظامالدولي الذي يشهد تحولات في طبيعة التفاعلات الدولية ووزن الفاعلينالدوليين المشاركين في إطارها. مؤشرات تراجع الصورة الدولية للولايات المتحدة أشارالتقرير إلي أن الحرب الأمريكية علي الإرهاب بما انطوت عليه من مبادئمثيرة للجدل مثل الضربات الإستباقية، والتقسيم الثنائي للعالم بين محوريالخير والشر. فضلاً عن استدعاء مقولات الصدام الحضاري، قد أثرت علي تحولحالة التعاطف الدولي مع الولايات المتحدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبرإلي شعور بالاستياء تجاه السياسات الأمريكية، لدرجة أن بعض القائمين عليمؤسسات استطلاع الرأي أكدوا أن تأييد الولايات المتحدة لم يشهد تدنياً إليهذا المستوي في أي من فترات تاريخها بما في ذلك الحرب الباردة. فقدكشفت استطلاعات الرأي بين عامي 2002 و2006 عن تراجع شعبية الولاياتالمتحدة خلال هذه الفترة بنسب تتراوح بين 45% في اندونيسيا و40% في تركياو27 % في بريطانيا، بينما تصاعدت المؤشرات الإحصائية الدالة علي تناميكراهية الولايات المتحدة في الدول الإسلامية وأمريكا اللاتينية لتصل إلي 82% و86% علي التوالي، وتعززت هذه النتائج بما كشف عنه مركز بيولاستطلاعات الرأي العام Pew Research Center survey في استطلاعه الدوليعام 2006 من تقلص لشعبية الولايات المتحدة دولياً بين عامي 2002 و2006 منحوالي 81 % إلي 22% ممن شملهم استطلاع للرأي في عدد من دول العالم، ممادفع أندرو كوهت Andrew Kohut رئيس مؤسسة بيو للقول بأن هذا التناقص يُعدالأبرز في تاريخ الولايات المتحدة خلال الخمس والعشرين عاما ً الماضية. وأشارجون جلين John Glenn مدير صندوق مارشال الألماني German Marshall Fund إليأن نسبة الأوروبيين الذين يعتبرون القيادة الأمريكية لشئون العالم غيرمرغوبة قد تصاعدت إلي حوالي 57% عام 2006 في مقابل 31 % عام 2002 ، وهو ماتوازي مع إعلان جيمس زغبي James Zogby مدير مركز زغبي الدولي لاستطلاعاتالرأي العام Zogby International عن أن حوالي 86 % من المنتمين للنخبةالسياسية في دول أمريكا اللاتينية يرون أن السياسة الأمريكية تجاه دولهملا تتمتع بتأييد شعبي. وفي السياق ذاته تبلورت توجهات مناهضة للحربالأمريكية علي الإرهاب علي مستوي الرأي العام العالمي، فلم تتعد نسبةمؤيدي هذه الحرب حوالي 19 % في الصين و10% في مصر و14 % في تركيا و43 % فيفرنسا. إن كافة هذه المؤشرات الإحصائية تُشير إلي التراجع الحادالذي شهدهُ التأييد الدولي للولايات المتحدة وهو ما أثار التساؤلات داخللجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب حول أسباب هذا التراجع وتداعياته عليالمصالح الدولية للولايات المتحدة. جدلية الصراع الحضاري ورفض السياسات الأمريكية أديتصاعد الاهتمام بتفسير تراجع شعبية الولايات المتحدة دولياً إلي انقسامالخبراء والمحللين إلي اتجاهين متناقضين، يحاول أولهما إعادة هذه الظاهرةإلي الصدام الحضاري بين الغرب والإسلام وتطلع دول العالم للقوة الاقتصاديةوالعسكرية الأمريكية بقدر كبير من النقمة أو بمعني آخر التناقض بين منظومةالقيم الأمريكية والمنظومات الحضارية الأخرى، في مقابل تأكيد الاتجاهالثاني علي أن السياسات الأمريكية علي المستوي الدولي هي السبب الرئيسيلتراجع شعبية الولايات المتحدة، وفي هذا الإطار جاءت إفادة سكوت هيبارد Scott W. Hibbard الأستاذ بقسم العلوم السياسية بجامعة ديبول DePaul University أمام اللجنة حيث أشار إلي وجود إشكالية تتعلق بالسياسةالخارجية الأمريكية تتمثل في تعارضها مع القيم المجتمعية الأمريكية مؤكداًأن سياسات من قبيل إسقاط نظام صدام حسين والحرب علي العراق وتشديدالإجراءات الأمنية علي الحدود الأمريكية المكسيكية لمنع تسلل المهاجرين،فضلا عن احتجاز المتهمين دون محاكمة في معتقل جوانتنامو واستجوابهمبأساليب تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان قد دفعت لتصاعدالتوجهات الرافضة للسياسات الأمريكية عالمياً. واستدل ستيفن كول Steven Kull مدير برنامج توجهات السياسة الدولية بجامعة ميرلاند the Program on International Policy Attitudes (PIPA) at the University of Maryland علي صحة هذه الفرضية باستطلاع للرأي أجرتهُ الجامعة عام 2006أشار فيه حوالي 73 % ممن شملهم الاستطلاع في 26 دولة رفضهم لاستمرار الحربالأمريكية علي الإرهاب التي أضحي العالم في ظلها أكثر خطراً، بينما أكدحوالي 62 % من المواطنين في ستة دول عربية علي أن السياسة الخارجيةالأمريكية تجاه عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية غير محايدة وهو مااتضح بشكلٍ واضح خلال الحرب الإسرائيلية علي لبنان. ويفرق سكوتهيبارد بين ثلاثة فئات في إطار الرأي العام العربي من منظور مواقفهم تجاهمنظومة القيم الأمريكية وفق انتمائهم للتيار الإسلامي الأصولي، حيث يرتكزموقف غالبية الجماهير العربية علي رفض السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرقالأوسط نتيجة إعلائها لمصالحها الجيواستراتيجية التي تتطلب في كثير منالأحيان دعما لبعض النظم السياسية الأوتوقراطية في مقابل إغفال التنميةالاقتصادية والتحول الديمقراطي بينما يؤيد المنتمين لهذه الفئة القيمالأمريكية ونمط الحياة الأمريكي وفق نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز زغبيعام 2002 أكد فيه حوالي 54% عن تأييدهم للديمقراطية وفق النمط الأمريكيفيما تضاءلت نسبة تأييد السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط لتصلإلي حوالي 8% فقط. ويرفض أنصار التيار الإسلامي هذه الازدواجيةابتداءاً إذ يعلنون رفضهم لمنظومة القيم الأمريكية إجمالاً لاعتبارهمإياها نوعاً من الاستعمار الفكري القائم علي رؤية علمانية لا تتسق معمنظومة القيم الإسلامية، في مقابل اتجاه الجهاديين الإسلاميين لتحويل رفضمنظومة القيم الأمريكية لاستهداف عسكري للمصالح الأمريكية في منطقة الشرقالأوسط نتيجة تحولهم من التركيز علي العدو القريب (النظم الحاكمة فيالمنطقة العربية ) إلي العدو البعيد (الولايات المتحدة والدول الغربية ) تحت وطأة الملاحقات الأمنية التي أسفرت عن تحويل مركز نشاطهم الرئيسي إليخارج المنطقة العربية، ومن هذا المنطلق يقترح هيبارد التركيز علي دفععملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية وإيجاد بدائل للنفط الذي تتجهأرباحهُ المتراكمة لدعم الإرهاب علي حد تعبيره. الأحادية الأمريكية وافتقاد التماسك في إطار حلف الناتو أفرزاتجاه الولايات المتحدة المفرط للاعتماد علي الآليات العسكرية في إطارالحرب علي الإرهاب لتبلور اعتقاد دولي مفاده تجاهل الولايات المتحدةللتوافق الدولي وانتهاكها للقواعد القانونية الدولية وفي هذا الإطار أكدآيثر بريمر Esther Brimmer مدير مركز العلاقات الأطلسية THE Center for Transatlantic Realionsالتابع لجامعة جون هوبكنز علي تراجع وضع الولاياتالمتحدة في إطار المنظمات الدولية نتيجة السياسات المثيرة للجدل لإدارةالرئيس جورج بوش التي بلغت أوجها عام 2003 بقيادة تحالف دولي لإسقاطالنظام العراقي السابق دون تفويض من مجلس الأمن، ورصد بريمر في هذا الصددتصويت الدول النامية ضد عضوية الولايات المتحدة للجنة حقوق الإنسانالتابعة للأمم المتحدة عقب رفضها التصديق علي معاهدة كيوتو حول التغيرالمناخي ومعاهدة روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية. وأشاربريمر إلي أن انتهاج الولايات المتحدة لسياسات أحادية يحمل في طياته خطراًعلي مكانتها الدولية انطلاقا من عدم ملائمة التوقيت وفق ثلاثة أبعاد أولهايتعلق بحالة الانفتاح الديمقراطي التي تشهدها دول العالم والتي تتناقضمعالإجراءات الأمنية والعسكرية الأمريكية التي لا تضع حقوق الإنسان ضمنأولوياتها، أما الجانب الثاني فيتعلق بصعود قوي إقليمية اقتصادية وسياسيةمناوئة للولايات المتحدة مثل الصين وروسيا أو قوي ساعية لتوسيع نطاق دورهاالدولي مثل الاتحاد الأوروبي والهند. ويتمثل البعد الثالث فيماتفرضه ظاهرة العولمة من ضرورة بلورة قواعد قانونية دولية تتمتع بدرجةعالية من المصداقية والعدالة لتنظيم تدفق السلع والخدمات والمعلومات بيندول العالم ومن ثم فإن اتجاه الولايات المتحدة لتجاهل وتهميش الإرادةالدولية يتناقض مع مصالحها الاقتصادية في دفع العولمة والتجارة الدوليةقدما. أما علي صعيد علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الأوروبيين فيإطار حلف شمال الأطلسي فلقد أشار بريمر لوجود عدة عوامل دفعت لحالة منالتباعد بين الطرفين كان أهمها نزوع الإدارة الأمريكية نحو أحادية التصرفعلي الصعيد الدولي وإتباعها للسياسات تتعارض مع القيم الليبرالية، وهو ماأدي لبروز قضايا خلافية بين الطرفين مثل توسيع حلف الناتو شرقاً ليضمدولاً مثل مقدونيا وأوكرانيا واستمرار زيادة عدد القوات التابعة للدولالأوروبية في إطار قوات المساعدة الدولية إيساف ISAF التابعة للحلف فضلاًعن التعاون الاستخباراتي لاسيما علي صعيد تبادل البيانات الخاصةبالمسافرين الأجانب وتسليم بعض المشتبه بانتمائهم لتنظيمات إرهابيةللولايات المتحدة خاصة بعد الكشف عن وجود سجون سرية أمريكية في بعض الدولالأوروبية لاستجواب المشتبه بانتمائهم لتنظيمات إرهابية وهذه الملفات كانتموضع جدل حاد خلال القمة الأخيرة لحلف الناتو في بوخارست في ابريل 2008 . الولايات المتحدة في نظام دولي ذو حدود مغلقة بينماتركزت إفادة جون تيرمان John Tirman المدير التنفيذي لمركز الدراساتالدولية بمعهد ماساشوتس للتكنولوجيا Center for International Studies of Massachusetts Institute of Technology خلال جلسة الاستماع علي أن الدورالدولي للولايات المتحدة يتعرض للتقلص بشكل كبير نتيجة إعادة رسم الحدودالجيوسياسية الدولية في ضوء ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل فيما يلي: 1- نهاية الاستقطاب الإيديولوجي الدولي الذي ساد إبان فترة الحرب الباردة بعدانهيار الاتحاد السوفيتي بما أفرغ مقولات الصراع لتحقيق الليبرالية منمضمونها لتحل محلها مقولات الصراع الحضاري غير واضحة المعالم نتيجة وجودشبكة علاقات حضارية متداخلة يصعب في ظلها الفصل التحكمى بين الحضاراتالمختلفة، وفي هذا الإطار ساد اعتقاد في الدول الإسلامية يعتبر الحرب عليالإرهاب بمثابة حرب علي الإسلام وهو ما أكدته نتائج استطلاع الرأي الذيأجراهُ برنامج توجهات السياسة الدولية (PIPA) في عدد من الدول الإسلاميةوالتي أكد فيها 92 % ممن شملهم الاستطلاع في مصر و78 % في المغرب و73% فيباكستان وإندونيسيا علي أن الحرب علي الإرهاب ليست إلا حرباً أمريكية عليالإسلام، وهو ما قد يعزي إلي تصريحات الرئيس الأمريكي حول الحرب الصليبيةوأطروحات عدد من وسائل الإعلام الأمريكية حول الطابع الديني للحرب عليالإرهاب. 2- ظهور تكتلات اقتصادية منافسة للولايات المتحدة مثلالاتحاد الأوروبي والصين وبعض المنظمات الإقليمية مثل منظمة شنغهايللتعاون Shanghai Cooperation Organization التي تضم في عضويتها كل منروسيا والصين ودول آسيا الوسطي والتي صنفت بكونها تحالف دولي لرافضيالأحادية القطبية الأمريكية بما يعني استبعاد الولايات المتحدة من بعضالتفاعلات الإقليمية التي تقتصر عوائدها وتبعاتها علي أطرافها. 3- تصاعد أهمية القضايا البيئية ذات الصلة بالتنمية المستدامة والتي طرحتبقوة بعض الثوابت الايكولوجية مثل محدودية الموارد الطبيعية المتاحةلتحقيق النمو الاقتصادي المستمر وخاصة مصادر الطاقة غير المتجددة بما يعنيوجود قيود علي فرص النمو الاقتصادي العالمي. ومن هذا المنطلق دعيتيرمان إلي مراجعة السياسات الأمريكية دوليا بحيث ترتكز القيادة الأمريكيةللعالم علي العوامل الاقتصادية والعسكرية والايكولوجية من خلال إيلاء قدرأكبر من الاهتمام لقضايا التنمية المستدامة ومحاربة الفقر ومكافحة التلوثالبيئي والاحتباس الحراري وهي سياسات من شأنها توسيع النطاق الدولي المتاحللدور الأمريكي ومن ثم الارتقاء بالتأييد الدولي للسياسة الخارجيةالأمريكية كركيزة للاستقرار العالمي والتنمية.