المختصر/إسلام أونلاين / تشهد الجماعات الإسلامية السنية في لبنان حالة استقطاب حادة أعادت رسم أجندتها بعد سيطرة مقاتلي حزب الله بشكل مؤقت على العاصمة بيروت ومحاصرتهم مقار تيار المستقبل في إطار الأزمة السياسية التي اندلعت بين الطرفين منذ نحو الأسبوع.
فقد بدت الجماعات السنية المؤيدة لحزب الله -في مقدمتها جبهة العمل الإسلامي وحركة التوحيد- متمسكة أكثر بـ"التحالف" مع حزب الله في تحركه الأخير، الذي اعتبرته "انقلابا لإعادة تصحيح مسار الحكومة التي ترتمي بأحضان المشروع الصهيو أمريكي بالمنطقة".
بالمقابل، فإن الجماعات السنية التي كانت تختلف مع حزب الله عقائديا وسياسيا، وأبرزها الجماعات السلفية، بدت أكثر قربا من الحكومة، برغم أنها تعتبرها "علمانية"، وفي الوقت نفسه أكثر حدة إزاء التعامل مع الحزب بعد أحداث بيروت؛ حيث بدأ بعضها في الاتجاه لأول مرة نحو العمل العسكري والتعبئة لمواجهة ما وصفته بـ"انقلاب شيعي" يستهدف تحويل لبنان لدولة ولاية الفقيه.
أما الجماعات التي تعتبر محايدة في الصراع بين الحكومة والمعارضة، مثل الجماعة الإسلامية (إخوان لبنان)، فصارت أكثر ميلا لتيار الأغلبية، وأكثر انتقادا لحزب الله، مع إصرارها في الوقت نفسه على أن ما يجري أزمة سياسية، وليس صراعا سنيا/ شيعيا.
ويعتبر مراقبون ومحللون أن حالة الاستقطاب الحادة التي تسيطر على الجماعات السنية تمثل أحد أبرز التأثيرات السلبية لما قام به حزب الله في بيروت.
وفيما يلي عرض للتحولات التي طرأت على أجندة هذه الجماعات السنية منذ أسبوع واحد فقط:
أولا الجماعات المؤيدة لحزب الله:
هذه الجماعات كانت داعمة لمشروع الحزب المناهض للمشروع الأمريكي والإسرائيلي بالمنطقة، وخلال أحداث بيروت أيدته بالكامل، بل إنها بدت شبه متحالفة معه، وهي الجماعات التالية:
1. جبهة العمل الإسلامي:
أهم الحركات السنية الموالية لحزب الله، ويرأسها الداعية فتحي يكن، الذي يعتبر أن ما قام به حزب الله في بيروت ليس إلا درسا رادعا للموالاة، ولكل من يراهن على السير في المشروع الأمريكي المعادي للمقاومة.
وشدد نائبه الشيخ عبد الناصر جبري على أن ما يشهده لبنان اليوم من صراع لا يمت إلى المذهبية بصلة، معتبرا أنه "صراع سياسي بين خط أمريكي/ صهيوني يريد تفتيت المنطقة لدول مذهبية وعرقية وطائفية، وبين خط مقاوم مجاهد يمتد من أفغانستان وباكستان وإيران مرورا بالعراق ولبنان وفلسطين وصولا للصومال والسودان".
2. حركة التوحيد الإسلامي:
ترى أن ما قام به حزب الله "انقلاب لتصحيح مسار الحكومة التي تسير في فلك المشروع الصهيو أمريكي بدلا من المشروع المقاوم".
وقال الشيخ هاشم منقارة رئيس الحركة: "إن رهان السلطة وآمالها على الخارج الأمريكي سقط؛ لأن السلطة التي تستقوي بالخارج على شعبها ساقطة وضعيفة، والإرادة الوطنية تكون باحتضان المقاومة ودعمها على كل المستويات".
ثانيا: الجماعات السنية المناهضة لنفوذ حزب الله:
وينقسم هذا التيار إلى قسمين:
1. المؤسسة الدينية الرسمية:
كانت توصف بأنها قريبة من تيار المستقبل، قائد الأغلبية الحاكمة، ومنتقدة لحزب الله، ولكنها بعد سيطرة الأخير على بيروت ومحاصرته قيادات ومقرات التيار، باتت أشد قربا للأغلبية، وأشد انتقادا للحزب؛ باعتباره يخدم مصالح إيران بالمنطقة.
ويمثل هذه المؤسسة مفتي الجمهورية للسنة الشيخ محمد رشيد قباني، الذي قال منذ اليوم الأول للعصيان المدني الذي نفذته المعارضة: "إن السنة ضاقوا ذرعا بتصرفات حزب الله المدعوم من إيران، والذي تحوّل إلى قوة مسلحة لاحتلال بيروت".
وكذلك مفتي جبل لبنان الشيخ محمد على الجوزو، ومفتي عكار الشيخ أسامة الرفاعي. وهذه المؤسسة باتت الآن أشد قربا من تيار المستقبل.
2. الجماعات السلفية:
عدد من الجمعيات والمؤسسات السلفية تناهض حزب الله عقائديًّا وسياسيًّا، وترى في الشيعة خطرًا على السنة.
لكن بعد أحداث بيروت بدأت هذه الجماعات في الاقتراب من الحكومة بعد أن كانت تراها علمانية، كما أصبحت تحتشد عسكريا وإعلاميا لمواجهة حزب الله؛ باعتبار ما قام به انقلابًا شيعيًّا للسيطرة على مقدرات السنة وتحويل لبنان لدولة فقيرة، وإدماجه في هلال شيعي يتبع إيران.
وفيما يلي مواقف أبرز الجماعات السلفية:
اللقاء الإسلامي المستقل.. أهم الجماعات السلفية، ويضم شخصيات عديدة أهمها الشيخ كنعان ناجي، وهو متهم من قبل المعارضة بامتلاك جناح عسكري موال لتيار المستقبل في الشمال.
وبدأ هذا التيار في شن حملة على حزب الله بعد أحداث بيروت، بل وبدأ أيضا يتجه نحو العمل العسكري؛ حيث أعلن الناطق الرسمي باسم اللقاء النائب السابق خالد ضاهر عن تشكيل "المقاومة الإسلامية الوطنية في لبنان"؛ للدفاع عن لبنان الكيان والمؤسسات بوجه "العصابات الإيرانية والسورية المتمثلة بحزب الله"، عازيا السبب في ذلك إلى "عدم قدرة الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي على حماية بيروت".
واعتبر "اللقاء" أن أحداث العاصمة تتطلب تشكيل هذه المقاومة بوجه ما اعتبرها "ميليشيات تدّعي زورا المقاومة وهي تمارس الإرهاب والقتل بحق اللبنانيين عامة وأهل السنة خاصة".
ودعا "ضباط وأفراد الجيش إلى الاستقالة إذا لم تبادر القيادة فورا بضبط الوضع الأمني ومنع العصابات والميليشيات من العبث بأمن البلد وأهله".
وكان "اللقاء" قد اتهم حزب الله يوم وقوع أحداث بيروت 8-5-2008، "بتشكيل عصابات لإرهاب الناس وقتل المتظاهرين الأبرياء ومحاصرة المرجعيات الدينية والسياسية في بيروت"، ولاسيما المفتي قباني، والسرايا الحكومية، وزعيم الأكثرية سعد الحريري، والنائب وليد جنبلاط"، وأعلن "أن أهل السنة في لبنان سيردون الاعتداء على حرماتهم ومحاولة تهميش دورهم".
· جمعية الهداية والإحسان.. دعا رئيسها الشيخ داعي الإسلام الشهال الطائفة السنية في لبنان لتنظيم صفوفها لدرء الأخطار المحدقة بها.
وأصدر بيانا حدد فيه 3 خطوات:
1. ضرورة تنظيم الطائفة السنية وتوحيد جهود أبنائها عبر أطر قوية لدرء الأخطار.
2. إعلام إخواننا في العالمين العربي والإسلامي بأننا لسنا بحاجة الآن لشباب يفد إلينا، لكننا بحاجة ماسة لمساعدة مادية ومعنوية لإعانة الطائفة على سد النقص بمجالات عديدة.
3. التعهد لجيراننا في الطائفة المارونية بأننا ملتزمون بمبادئ ديننا السمح الحنيف، وأننا نرفض أي اعتداء ولا نحب المعتدين.
وكان الشيخ الشهال قد توجه للساسة السنة في لبنان قائلا: "نحن معكم حتى يضمد جرحكم وتسترد كرامتكم وترفع هاماتكم".
وفي تصريح خاصة لـ"إسلام أون لاين.نت" قال الشيخ الشهال: "ندعو الطائفة السنية للتعبئة النفسية والجسدية والعمل ضمن إطار تنظيمي سواء على صعيد الحركات الإسلامية أو على صعيد الطائفة ككل؛ لأن ما حدث في بيروت خلال 24 ساعة قد يتكرر في أي مكان من لبنان".
وتابع قائلا: "نحن مع وأد الفتنة، لكن هناك مخطط لإشعال البلد، فالأمور مفتوحة على كل الاحتمال، وما يقوم به العلويون في جبل محسن بالشمال من وضع متاريس في الطرقات ألا يفهم منه استعداد لشيء ما مبيت ضد السنة؟!".
ثالثا: الجماعات السنية المحايدة:
تمثلها بشكل رئيسي الجماعة الإسلامية، ورغم أنها حاولت النأي بنفسها عن أي تجاذب سياسي منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، إلا أنها لم تستطع تجاهل مخاوف الشارع السني بعد أحداث 8 مايو، وبدا موقفها أكثر ميلا للأغلبية، وانتقادا لحزب الله، برغم تشديدها دائما على أن أصل الصراع سياسي، وليس مذهبيا.
ودعت الجماعة على لسان أمينها العام الشيخ فيصل مولوي حزب الله وقوى المعارضة إلى "الامتناع عن إكراه الناس، وذلك عن طريق إزالة السواتر الترابية وفتح المطار والمرفأ وإخراج سلاح المقاومة من بيروت؛ لتجنب الإيغال في معارك داخلية تمتد على جميع الساحة اللبنانية، وقد ظهرت بداياتها في أكثر من مكان".
وهذا ما أكد عليه مسئول الجماعة بالجنوب بسام حمود بعد اشتباكات مدينة صيدا، حيث اعتبر ما يحصل هو عودة "لتجدد منطق التخاطب بالسلاح"، مطالبا "القوى الشرعية اللبنانية لاسيما الجيش لفرض هيبته على الجميع".
· وبعيدا عن بياناتها الرسمية، كشفت مصادر مطلعة بالجماعة، طلبت عدم ذكر اسمها، أن أوساط الجماعة "مستاءة جدا من تصرف حزب الله الأخير".
· وأضافت المصادر لـ"إسلام أون لاين.نت" أن "الجماعة تجاهد للمحافظة على موقف محايد بين حزب الله وبين خصومه، فلا هي تريد قطع شعرة معاوية معه، ولا هي تريد أن ينفلت شارعها السني إلى ما لا تحمد عقباه".
· إلا أن المراقبين يرون أن مواقفها الأخيرة صارت أكثر ميلا لصالح الأغلبية، وأكثر حدة في انتقاد حزب الله.
رابعا: الجماعات الصوفية:
ليست منتشرة في لبنان بقدر انتشارها بدول عربية أخرى مثل مصر والسودان، وليست معنية كثيرا بالشأن السياسي.
ويقود الحالة الصوفية في لبنان مجموعة محدودة من المشايخ، ولها مريدون منتشرون بين قوى المعارضة والموالاة.
وبعض شيوخ الصوفية ينتشرون في المؤسسة الدينية الرسمية، وهم بذلك أقرب إلى الأغلبية، فيما البعض، مثل الشيخ عبد الناصر الجبري، في جبهة العمل الإسلامي السنية، المؤيدة للمعارضة.