المختصر/إسلام أون لاين.نت / تشهد السياسة الخارجية السعودية نشاطا ملموسا على الساحة الإقليمية يرجعه مراقبون إلى سعي المملكة لمواجهة الدور الإيراني المتنامي في المنطقة العربية، لكنهم اعتبروا أن هذا الدور السعودي يشوبه بعض الارتباك.
وشهد اليوم الجمعة 2 - 2 -2007 آخر مبادرات السعودية على الصعيد الإقليمي بدعوة للقاء يجمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في مكة المكرمة الثلاثاء المقبل، في حضور قيادات فلسطينية كبيرة بهدف وقف الاقتتال بين حركتي فتح وحماس والذي أسفر عن مقتل العشرات.
وعلى الصعيد اللبناني تتواصل أيضا الجهود السعودية لاحتواء الأزمة بين الحكومة والمعارضة المستمرة منذ أكثر من شهرين، من خلال التحركات المكثفة للسفير السعودي في بيروت محمد خوجة الذي يتجول بين الفرقاء المختلفين سعيا للوصول لمخارج للأزمة.
وتحاورت السعودية مع كافة الأطراف، واستقبلت لديها الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله يوم 26-12-2006 في إطار مساعيها للوصول لمخارج سريعة للأزمة.
كما أعلنت الرياض مؤخرا أنها سترسل مليار دولار إلى لبنان من أجل إعادة إعمار البلد الذي خربته الحرب الإسرائيلية الأخيرة في يوليو الماضي، وذلك خلال مؤتمر باريس 3 الذي انعقد في العاصمة الفرنسية 25 يناير الماضي.
تغير في السياسة
التحركات القوية للمملكة العربية السعودية على الصعيد الإقليمي يعتبرها طلال العتريسي الخبير اللبناني في شئون الشرق الأوسط تغيرا طرأ على السياسة الخارجية لها بقوله: "كانت السياسة السعودية في السابق تتسم بالتكتم وعدم الإفصاح أو عدم إعلان المواقف المباشرة على الرغم من اختراقها لقضايا عديدة سرا كما كانت لها تحالفات غير معلنة، لكنها أصبحت الآن أكثر صراحة".
ويرى العتريسي أن هذا التغير في السياسة السعودية نتيجة عدة عوامل أهمها "انهيار النظام العراقي السابق عام 2003، الذي خلف فراغا سياسيا في المنطقة، تزامن مع صعود الدور الإيراني بحجمها ونفوذها الذي زاد بعد انهيار نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي كان يحول دون تغلغلها في المنطقة، إضافة إلى انحسار الدور المصري على المستوى الإقليمي".
وأردف بقوله: "نتيجة العوامل السابقة بدأت السعودية الدخول بقوة على خط الأزمة العراقية واللبنانية والفلسطينية لعدم ترك الساحة للإيرانيين".
النفوذ الإيراني
محمد جمال عرفة المحلل السياسي بشبكة "إسلام أون لاين .نت" يرى أن المملكة العربية السعودية تعيش "حالة استنفار" على الصعيد الإقليمي بعد وصول "النفوذ الإيراني لفنائها الخلفي في العراق، وتمدده لقلب العالم العربي في ظل غياب دور فاعل للدول العربية الكبرى".
ونتيجة لهذا الوضع يرى عرفة أن "التحرك السعودي متعددا تجاه طهران وواشنطن والعالم العربي، وخرج أكثر من مبعوث وبدأ التنسيق بالفعل مع إيران فيما يخص أزمة لبنان باعتبار أنها أخف وطأة من حالة العراق".
ومؤخرا زار الأمير بندر بن سلطان، الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي، طهران، وركزت مباحثاته على البحث عن حلول لقضيتي العراق ولبنان، وهو ما أسفر عن تفاهم ضمني حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين.
وجاءت هذه الزيارة في أعقاب زيارة إلى الرياض قام بها علي لاريجاني، كبير المفوضين الإيرانيين في المحادثات النووية.
دور مرتبك
التحركات السعودية على أصعدة مختلفة كما في توجهها نحو إيران والولايات المتحدة الأمريكية يرى العتريسي أنها تسبب لها نوعا من الارتباك؛ حيث إنها "لا تستطيع أن تكون جزءا من حلف أمريكي لضرب إيران؛ لأن هذا سيضر بمصالحها كثيرا، ومن ناحية أخرى لا تستطيع معارضة سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يفسر توافق السياسة السعودية مع الأجندة الأمريكية في كل من لبنان وفلسطين من جهة وفتح السعودية لقناة حوار مع إيران من جهة أخرى برغم عدم تحبيذ واشنطن لذلك".
وأضاف بقوله: "من هنا يمكن القول إن تحرك السعودية تجاه إيران هو تحرك ذاتي الدفع انطلاقا من المصالح السعودية في العراق واهتمامها بعدم انتقال الفتنة الطائفية إليها".
وأرجع العتريسي ذلك الارتباك السعودي إلى وجود تيارين داخل النخبة الحاكمة السعودية يتنازعان وجهة السياسة السعودية: ففريق يرى ضرورة استقلال القرار السعودي عن الولايات المتحدة، وفريق آخر يرى في انسجام الموقف السعودي مع المصالح الأمريكية تحقيقا للمصالح السعودية.
ويقول العتريسي إن تعيين محمد الجبير سفيرا لدى الولايات المتحدة حسم الأمر لصالح الفريق المعول على التحالف السعودي الأمريكي.
والجبير وجه معروف في الولايات المتحدة حيث قضى في سفارة بلاده في واشنطن وقتا تجاوز العقدين، ورُشّح في 1997 مستشارا سياسيا لخادم الحرمين الشريفين، حينما كان وليا للعهد، ثم ملكا للبلاد، لينتقل الجبير من مرتبة مستشار في ديوان ولي العهد إلى مستشار في الديوان الملكي.
من الارتباك إلى التعقيد
ويرى العتريسي أنه على الرغم من محاولة الرياض أن تكون شريكا في حل مشكلات إقليمية فإنها تقوم في ذات الوقت بتعقيد بعضها، مشيرا إلى الدعم الواضح الذي تقدمه الرياض لحكومة فؤاد السنيورة في لبنان، وهو بحسب رأيه ما "تسبب في زيادة حدة الأزمة بين الحكومة التي تستقوي بالخارج والمعارضة اللبنانية التي لم تفض اعتصاما نظمته منذ أكثر من شهرين".
كما أشار إلى عدم قدرة الرياض على التأثير في مجريات ما يحدث في العراق برغم محاولاتها التى تنسق فيها مع إيران صاحبة النفوذ الأكبر في البلد المهلهل.
خبير العلاقات الدولية عبد الله الشعل يرى أن دور السعودية "غير واضح وهو لا يختلف عن الدور المصري الغامض حاليا والمنحسر".
وأردف بقوله: "الدور السعودي في إطار محور الاعتدال لا يمكن أن يؤتي ثمارا حقيقية حيث سبقته مواقف أفقدت فيه الثقة".
وأوضح بأن "موقف السعودية ووصفها للمقاومة في لبنان فترة الحرب الاسرائيلية بأنها تغامر أثر حاليا على موقفها من محاولة إيجاد حل للأزمة، كما أن التوافق مع الرئيس الفلسطيني وحصار حماس سيؤثر بالطبع على محاولات الرياض لرأب الصدع بين الجانبين".