المختصر/البيان / كمدمن مخدرات بلغ «نقطة اللا عودة» كما يقول أطباء العلاج النفسي لا تستطيع إدارة بوش فك تحالفها مع الائتلاف الشيعي في العراق من دون المخاطرة بمصير قواتها الاحتلالية.في وجه الأنشطة القتالية المتصاعدة لقوات المقاومة «السُنية» باتت القوات الأميركية عاجزة حتى عن حماية نفسها، فكيف إذا فتحت ميليشيات الائتلاف الشيعي جبهة مقاومة إضافية ضد الأميركيين إذا قامت إدارة بوش بفك التحالف معها.
نوري المالكي يدرك المأزق الأميركي. وهذا ما يفسر لنا جسارة خطابه في مواجهة جورج بوش وكأنه يقول للرئيس الأميركي: أنا أيضاً أعرف أنه لم تعد أمامك خيارات. وهذا بدوره يعطينا تفسيراً آخر لتراجع اللهجة الأميركية، وكأن بوش يقول للمالكي: أنا أدرك أنك تدرك. هناك أزمة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي، أو بالأحرى قطب «حزب الدعوة» الشيعي.
ومنشأ الأزمة هو إعلان ما أطلق عليه بوش «استراتيجية جديدة» لمعالجة الوضع المتفاقم في العراق.. مع تصاعد التذمر والتمرد الداخلي في الولايات المتحدة ضد الرئيس، فقد تراءى لبوش ومن حوله من «المحافظين الجدد» أن بالإمكان تخفيف حدة التمرد الداخلي إذا استطاع تصدير المسؤولية عن فشل إدارته في العراق إلى إيران.
هذا هو هدف «الاستراتيجية الجديدة». وهذا هو تفسير التصعيد الأميركي ضد إيران بكل أشكاله الدبلوماسية والدعائية والعسكرية.ولكن يبقى سؤال: هل كان بوش يدرك سلفاً أن تطبيق استراتيجيته على هذا النحو سيقوده إلى صدام حتمي مع حلفائه العراقيين من قادة الشيعة؟ في حمأة جهوده اليائسة لإسكات الأصوات الاحتجاجية داخل الولايات المتحدة سعى الرئيس الأميركي إلى استقطاب حكومة المالكي التي يسيطر عليها الائتلاف الشيعي لمشاركة الولايات المتحدة في حملتها الجديدة ضد الوجود الإيراني في العراق بكل أشكاله الاستخباراتية والعسكرية والأمنية.
لكنه نسي أن التحالف مع إيران في نظر قيادات «حزب الدعوة» و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» وغيرهما من تنظيمات الائتلاف الشيعي المهيمن على العراق مقدم على التحالف مع الولايات المتحدة. فالأول أيديولوجي استراتيجي مستديم، بينما الثاني تكتيكي مرحلي وعابر.
هذا هو معنى تصريح لنوري المالكي أدلى به خلال الأسبوع إلى صحيفة عربية، حيث قال صراحة إن الحكومة العراقية لا تعتبر نفسها مقيدة بالاستراتيجية الأميركية تجاه دول المنطقة فإن «دستورنا وسياستنا وتاريخنا الذي عانينا فيه سياسات مغامرة مع دول الجوار تفرض علينا سياسة حسن الجوار بكل جدية وصراحة».
ولا يخفى أن إشارة «حسن الجوار» في هذا السياق يقصد بها إيران تحديداً.هذا التعقيد يضع إدارة بوش أمام خيارين: إما الاستسلام الأميركي للأجندة الشيعية في العراق، وإما فض التحالف الأميركي مع الائتلاف الشيعي، وفي هذه الحالة سوف يصبح أكثر من 170 ألف جندي أميركي في العراق هدفاً لجبهة مقاومة جديدة ضد الاحتلال.