المختصر/أيا ما كان الأمر، فإن تزايد الضغوط الخارجية والداخلية، جعلت حكومة الرئيس نجاد في مأزق حقيقي، سيما مع تصاعد المعارضة السياسية له من جانب أعضاء البرلمان، وتزايد انتقادات الصحف الإيرانية لسياساته، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والغلاء الفاحش الذي بات يهدد معظم الأسر الإيرانية الفقيرة، وهو ما يهدد باندلاع ثورة داخلية تطيح بحكومة الرئيس نجاد.
مجلة العصر / لم تعد المواجهة التي يخوضها الرئيس الإيراني قاصرة على القضايا الخارجية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما تزايدت حدة المعارضة الداخلية لسياساته، سواء من جانب البرلمان أو من بعض القوى السياسية والدينية ذات التوجهات الإصلاحية، الرافضة لنهج الرئيس نجاد في التعامل مع الغرب وإدارة شئون الاقتصاد، فضلاً عن انتقاد العديد من وسائل الإعلام الإيرانية لتصريحاته المعادية للغرب، حتى المواطن البسيط الذي وقع فريسة للغلاء والتضخم، بدأ يفقد الثقة في قدرة الرئيس وحكومته على حل مشاكله.
الأمر المؤكد أن الرئيس نجاد بات هو الخصم اللدود للولايات المتحدة، فهي تعتبره أخطر زعيم سياسي ظهر على الساحة السياسية في الشرق الأوسط منذ قرابة قرن مضى، ومصدر الخطورة الرئيسي هو أنه زعيم محافظ يستند في سياساته إلى أيديولوجية دينية متشددة، فضلاً عن تبنيه لتوجهات عدائية ضد الغرب وإسرائيل، كما أن خطابه الثوري يشعل حماس العديد من جماعات المقاومة العربية الشيعية والسنية أيضاً، ويعيد إلى الأذهان عصر القادة الثوريين من أمثال جمال عبد الناصر.
ومن جانب آخر، فإن معظم الإيرانيين يعتبرون أحمدي نجاد بمثابة الامتداد الطبيعي لمؤسس الثورة والأب الروحي لها "آية الله خميني"، وأنه انتقل بهذه الثورة من مرحلة التنظير والتثقيف وتغيير نظام الحكم الإمبراطوري إلى نظام جمهوري إسلامي، ليدخل عصراً جديداً مع الثورة الإسلامية هو عصر المواجهة مع العالم، وتثبيت أقدامه كقوة إقليمية في المنطقة. وبالتأكيد، فإن الرئيس أحمدي نجاد تأثر بشدة بالإمام الخميني، الذي جمع بين الزعامة الدينية والزعامة الثورية.
وبينما كان الرئيسان اللذان سبقاه, يتصفان بالاعتدال, فإن السمة التي التصقت بأحمدي نجاد هي الراديكالية, فهو يدعو إلى الالتزام التام بالقيم الثورية وبالتشدد في العلاقات مع الدول الغربية، رغم أنه لم يخرج من عباءة الحوزة الدينية في قم، كما أن انحيازه للفقراء جعل منه شخصية كاريزمية وحقق له شعبية كبيرة.
ومع ذلك فإن أحمدي نجاد لا يمثل كافة القوى السياسية في إيران، بل إن ثمة مؤشرات عديدة على تصاعد المعارضة لسياسته بصورة غير مسبوقة، فقد قام خمسون عضواً في البرلمان مؤخراً بجمع التوقيعات على عريضة تطالب الرئيس الإيراني بالمثول أمام البرلمان للدفاع عن سياسته، وإذا ما تمكنت المعارضة من تحقيق النصاب اللازم لهذه العريضة وهو خمسة وسبعون عضواً، فستكون هذه هي السابقة الأولى في تاريخ إيران الحديث التي يمثل فيها الرئيس للمساءلة أمام البرلمان، ومع ذلك فإن معارضي أحمدي نجاد يستبعدون إمكانية خلعه، بسبب ما يحظى به من دعم من جانب مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي.
ومن جانب آخر، فقد بدأت العديد من الصحف الإيرانية بشن هجوم على سياسات نجاد، بسبب مبالغته في الهجوم على الغرب، وقيامه بتنظيم مؤتمر لبحث قضية المحرقة التي استهدفت اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي أفقد إيران مزيداً من التعاطف الدولي.
كذلك، فإن تصديق مجلس الأمن الدولي على القرار الخاص بفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، أدى إلى تصاعد الكثير من الأصوات داخل البلاد منتقدة الرئيس أحمدي نجاد.
إن ما سيحدد مستقبل أحمدي نجاد وإمكانية بقائه في منصبه وإعادة انتخابه مرة أخرى عام 2009م، ليس معركته مع الغرب والولايات المتحدة، ولا نجاحه في استكمال البرنامج النووي الإيراني، وإنما قدرته على حل المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، وتلبية احتياجات ومطالب القطاعات العريضة من الشعب، والقضاء على الفساد، والرشوة، وتعدد مراكز إصدار القرار في الأجهزة الإدارية.
لقد ظل الاقتصاد الإيراني على مدى عقود يعتمد على الثروات النفطية الكبيرة في البلاد، والتي تشكل نحو 5% من الصادرات الإيرانية، دون أن يسعى لتنويع مصدر الدخل الوطني، حيث تنتج إيران نحو أربعة ملايين برميل يومياً، مع تطلعات إلى إنتاج أكثر من 5 ملايين برميل نفط يومياً عام 2009م. وقد زادت عائدات النفط والغاز من 23 بليون دولار أمريكي عام 2002م إلى 55 بليون دولار في 2005م، كما بلغت احتياطيات نقد أجنبي نحو 47 بليون دولار، وهو يفوق بكثير حجم الدين الخارجي لإيران.
صحيفة النيويورك تايمز أكدت في تقرير نشرته مؤخراً، أن الاقتصاد الإيراني لديه القدرة على امتصاص الكثير من الأزمات الاقتصادية وتحمل العقوبات المفروضة عليه، مشيرة إلى نجاح الرئيس نجاد في توظيف عائدات النفط، التي تمخضت عن الارتفاع الأخير في الأسعار، في مشروعات توظيف الشباب لامتصاص البطالة، مما زاد من شعبيته في الأوساط الفقيرة، وأدى إلى انخفاض معدل البطالة إلى نحو 10.3%، وهو معدل لم يتحقق في إيران منذ ثماني سنوات.
لكن سياسة نجاد الاقتصادية تسببت في رفع أسعار الفائدة وزيادة معدل التضخم، مما ترتب عليه حدوث زيادة كبيرة في الأسعار، بلغت نحو 100% في مجال العقارات، وهو ما دعا بعض رجال الدين إلى انتقاد سياسة أحمدي نجاد الاقتصادية، مطالبين بضرورة التوجه نحو الخصخصة واقتصاد السوق، وتشجيع الاستثمار الخاص، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، والتقليل من سيطرة الدولة على المشروعات الإنتاجية.
وأشارت التقارير الإعلامية الأخيرة إلى ارتفاع أسعار اللحوم والفاكهة والخضر في المناطق الحضرية من إيران بنسبة 25%، فيما أكد الرئيس نجاد أن ارتفاع الأسعار غير مبرر اقتصادياً، وأنه نتيجة لجشع التجار، ومحاولات البعض إيجاد تأثير مفتعل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
أيا ما كان الأمر، فإن تزايد الضغوط الخارجية والداخلية، جعلت حكومة الرئيس نجاد في مأزق حقيقي، سيما مع تصاعد المعارضة السياسية له من جانب أعضاء البرلمان، وتزايد انتقادات الصحف الإيرانية لسياساته، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والغلاء الفاحش الذي بات يهدد معظم الأسر الإيرانية الفقيرة، وهو ما يهدد باندلاع ثورة داخلية تطيح بحكومة الرئيس نجاد.