التاريخ:17/03/1429
الموافق |القراء:395
|
نسخة للطباعة
المختصر/
الإسلام اليوم / مصطلح "أهل الأهواء" لم يكن معروفاً بهذا الاصطلاح في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا في عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وإنما أتى بعد ذلك حين ظهرت الفرق، ونشأ الصراع مع أرباب الطوائف. وبعد ذلك أصبح مسمّى أهل الأهواء سيفاً مصلتاً على رقاب الخصوم أياً كانوا؛ وذلك للنكاية والتشهير بهم، وغالباً ما يكون هذا عن هوى في النفس، وكل من أدخل هواه في الدين فهو من أهل الأهواء. وكل صاحب مذهب أو طائفة أو حزب أو رأي يريد أن يسوّغ لرأي مَن ينتمي إليه على خلاف طريقته في الاستدلال التي اعتاد عليها، أو يتمسك بالدليل الأضعف -في نظره- ويترك الأقوى، فهو من أهل الأهواء. وكثيراً ما يداخل الهوى أصحاب الردود من أرباب الطوائف. فهذا ما يُقال في مداخل الهوى في الأوصاف. وأما إطلاق الهوى أو أهل الأهواء على الأعيان أو الطوائف المعيّنة فلا يصح إطلاقه إلاّ بعد إظهار الحجة؛ إذ إن الهوى محلّه القلب، فلا يعرفه غير صاحبه، إلاّ أن يكون عليه دليل في الظاهر، كما يقول الشاطبي في الموافقات. وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لخالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ: "إني لم أُومر أن أنقّب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم". وذلك حين قال خالد: "وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه"! ومن السهل جداً على من نطلق عليهم: "أهل الأهواء" أن يردّوا علينا بهذا الاسم، ويهجونا بهذا الهجاء، ولديهم من الشعراء والأدباء ما لدينا!! وعندهم ما عندنا من الحجج والبراهين النقلية والعقلية؛ إذ إنهم يصدرون مما نصدر عنه في المسائل الاجتهادية: من كتاب وسنة وإجماع، وأما من تجاوز ذلك إلى المسائل القطعية فقد دخل قنطرة الكفر، وله كلام آخر. "وحتى من تجاوز ذلك لا يُطلق عليهم أهل الأهواء إلاّ بعدما تُقام عليهم الحجة، وتظهر المحجة، ويستبين الرشد، حسب ما قعّدوه هم من قواعد عقلية صحيحة؛ إذ إن العقل لا يعارض النقل، والعكس صحيح. وعلى ذلك دل قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ).[النساء:59]؛ لأن الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل الإسلام، وهما الدليل والأصل المرجوع إليه في مسائل التنازع. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج على الكفار؛ فإن الله تعالى قال: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).[المؤمنون:84]. إلى قوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ). فقرّرهم بما أقروا به، واحتجّ عليهم بما عرفوا، حتى قيل لهم: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي: فكيف تخدعون عن الحق بعدما أقررتم به، فادعيتم مع الله إلهاً غيره؟ ... وعلى هذا النحو تجد احتجاجات القرآن، فلا يُؤتى فيه إلاّ بدليل يقر الخصم بصحته، شاء أم أبى". انتهى من كلام الشاطبي في الموافقات. فإذا كان صاحب الباطل ليس له دليل، ولم تقم عليه حجة فهو بمنزلة أهل الفترة. والمقصود أن الهوى محلّه القلب، وليس لنا إلاّ الظاهر، كالتعامل مع المنافقين؛ فهم في الدنيا مسلمون، والنفاق في قلوبهم، وليس في الدنيا إلاّ مسلم وكافر، وإنما أخبرنا الله عن النفاق لنحذر منه، ولنعلم عاقبة أمره، كما أخبرنا عن الكافر وما سيلقى، وإن كنا لسنا بكافرين. لكن إذا أُلزم الشخص بما يعتقده حقاً على طريقته، وعلى حسب استدلاله الذي يسلكه، ثم أعرض عنه، فإنه هنا يوصف بأنه من أهل الأهواء. وهذا معنى قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ).[القصص:49-50] فبين سبحانه أنهم يكونون أهل أهواء إذا لم يستجيبوا له، ولا يمكن أن يُقال عن شخص بأنه لم يستجب إلاّ إذا أُلزم بدليل صحيح في نظره، ثم أعرض عنه، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ما من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر".
وليس هذا خاصاً بطائفة معينة، أو فرقة مخالفة، أو أعيان نعتقد أنهم من أهل الأهواء، وإنما يعم كل إنسان يُعرِض عما يلزمه اتباعه حسب طريقته في الاستدلال. "ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يُجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمّونهم أهل الأهواء، وذلك أن كلَّ من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلاّ بالهدى الذي بعث الله به رسوله... ومجرد الحب والبغض هو هوى، لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله". انتهى من كلام ابن تيمية رحمه الله. وقال الشاطبي رحمه الله: "وكذلك الأمر في كل مسألة فيها الهوى أولا، ثم يطلب لها المخرج من كلام العلماء أو من أدلة الشرع وكلام العرب أبداً؛ لاتساعه وتصرفه، واحتمالاتها كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوله إلى آخره وفحواه، أو بساط حاله، أو قرائنه. فمن لا يعتبره من أوله إلى آخره، ويعتبر ما ابتنى عليه زل في فهمه، وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية، ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزلّ، وليس هذا من شأن الراسخين، وإنما هو من شأن من استعجل طلباً للمخرج في دعواه". والمهم أن نعلم أن الهوى وأهل الأهواء ليس مصطلحاً نقذف به من نشاء متى نشاء، ولكنه معنى قلبي يعرفه كل إنسان من نفسه، وليس ينجي الإنسان منه إلاّ تقوى الله تعالى. وإذا اتقى العبد ربه وسأله العون والسداد وجاهد هواه والنفس الأمارة بالسوء فإن الله تعالى أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين، ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها. وأخيراً: فينبغي أن نعلم أن الهوى درجات، كشأن أعمال القلوب جميعها، والهوى قد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً أو محرماً، ولكن الإنسان يجاهد نفسه، ويستغفر ربه لعله ينجو من كثير من الأهواء.