المختصر/مجلة العصر / لا يمكن توقع أن تقوم الحكومة، برغم بلوغها مرحلة كسر العظم في صراعها مع جيش المهدي، بالكشف عن جرائم أولئك، خصوصا جرائمهم في حق أهل السنة، والسبب هو أن تلك العصابات لم تكن تعمل لوحدها، وإنما تنسق مع أطراف الائتلاف الأخرى والقوات الحكومية، وهذا يعني أن الكشف والفضح ستكونان لهما انعكاسات ليست في صالح الحكومة.
من هذا المنطلق، فإن جرائم وانتهاكات، تنسب إلى جيش المهدي، وهو متورط فيها بالفعل، سوف يجري التعتيم عليها، باستثناء أعمال موجهة إلى القوات الحكومية، أو جهات مقربة إلى الائتلاف الشيعي، أو شيعية تحديدا.
الدباغ، الذي تحول بقدرة قادر إلى (خبير) في شؤون الفيزياء النووية الحوزوية والمرجعية، مثله مثل غيره من دهاقنة الائتلاف الشيعي، يحاول تبرئة عصابات مقتدى، من خلال تبرئة الميليشيات الشيعية، والقوات الحكومية الساندة لها، ومن جرائم بدأت تتكشف، مثل المقابر الجماعية في المحمودية، وإلصاق مسؤوليتها بالمتهمين الأزليين: القاعدة والتكفيريين والصداميين.. الخ.
في تصريح له، قال الدباغ: "إن المقابر الجماعية في المحمودية تحمل بصمات القاعدة"! ونحاول هنا توضيح بعض ما جرى مستندين إلى بعض ما لدينا من معلومات، تخص هذا الملف بالتحديد: المحمودية، ومقابرها الجماعية.
عندما نتحدث عن المحمدية، فإننا نتحدث عن واحد من مفاتيح المحافظات الجنوبية، وعن احد إضلاع ما يسميه الأمريكان بـ"مثلث الموت"، فيما يطلق عليه الائتلافيون وأولياؤهم، حزام بغداد السني، الذي يزعمون، مرة أن صدام حسين أقامه لمحاصرة الشيعة، ويتهمون العثمانيون، أحيانا، بأنه مشروعهم الطائفي للغرض نفسه.
ملف المحمودية تداولته أيدي المسؤولين والقادة في الائتلاف الشيعي، وفي فرق الموت، لكن دور جلال الدين الصغير، كان الأبرز في التنسيق بين الأطراف الشيعية، لاحتواء المحمودية ونواحيها والسيطرة عليها، ويعرف عنه أنه كان يقول: إن بغداد كلها في كفة والمحمودية في كفة أخرى لوحدها! توزع العمل على فيلق بدر وحزب الدعوة وجيش المهدي، بدعم وإسناد من القوات الحكومية هناك، غير أن حزب الدعوة كل له قدم السبق لقربه من السلطة التنفيذية، وهو مسيطر على مديرية التربية، وأقصى الموظفين من أهل السنة، وجاء بعناصر ووظفهم فيها، مسندا المناصب القيادية والمؤثرة إليهم، وفي الوقت نفسه فإن حزب الدعوة استخدم عصابات جيش المهدي، التي تعرض خدماتها لكل الموالين من إتباع مذهب آل البيت، ما دام الهدف النهائي إيذاء أهل السنة وإبعادهم، والتنكيل بهم.
وكان ثمن تلك الخدمات، إطلاق أيدي العصابات الصدرية في المفاصل المؤثرة والخدمية بالتحديد، المستشفى، معمل الألبسة الجاهزة، كراجات المحمودية للنقل، الأمن الوطني، مجمعي القادسية والقعقاع، ثم دائرة الماء والمجاري.
اما فيلق بدر، الذي يعمل عناصره بهدوء ومن دون ضجيج، فقد كانت حصته (البلدية، الشرطة، القائمّقامية، الجيش) مناصفة مع جيش المهدي، الذي زج عناصره في القوات الحكومية، لكن برتب صغيرة وفي أسفل سلم الرتب.
ولحزب الدعوة، المجلس البلدي، والتربية، ويتولى التنسيق مع جميع تلك الإطراف، الفوج الثاني من اللواء الرابع، الفرقة السادسة، الذي يقدم خدمات التغطية والإسناد لعمل الميليشيات.
بهذا، فإن الحديث عن نسبة جرائم القتل والمقابر الجماعية إلى جهات غير التي ذكرناها، هو من قبيل التستر على المجرمين الحقيقيين، خصوصا مع تورط إطراف حكومية وسياسية في المشاركة بتلك الجرائم.
وإن كان الدور الأبرز في جرائم القتل الوحشية، هو لعصابات جيش المهدي، المعروفة بانحطاطها ونزوعها الشاذ إلى التلذذ بالعذاب الإنساني، وعدم التمييز بين امرأة أو شيخ أو طفل في التعذيب والقتل، واتخاذ الحسينيات أوكارا للتحقيق واحتجاز المختطفين، قبل تصفيتهم.
وكان جيش المهدي قد اتخذ اليوسفية مقرا بديلا لإدارة عملياته، بعد أن بدأ الأمريكان بالضغط عليه، وقدم فيلق بدر، الذي يقوده في اليوسفية المدعو عماش العامري، كل التسهيلات لتلك العصابات، وهيأ لها المستلزمات اللازمة للاستقرار في الحي العسكري، وحي الشيشان (الحواسم) والخمسين دار.
مع هذا التنسيق العالي والسيطرة المطلقة على المنطقة، فكيف يمكن توقع أن يكون للقاعدة وغير القاعدة نشاط في المحمودية! كلا، بل إطراف الائتلاف الثلاثة الرئيسة هي وراء تلك الجرائم، أما اليد التي تباشر الذبح، وتعمل في خدمة الجميع، فهي يد جيش المهدي، لا أكثر ولا أقل!