التاريخ:04/05/1429
الموافق |القراء:234
|
نسخة للطباعة
المختصر/
الإسلام اليوم / ممايشكّل جزءاً من ثقافتنا العربية رمْي بعضنا البعض بالانغلاق والتّمحور حولالذات، ولكني لم أر في حوارنا الشعبي ولا العلمي تحديداً منطقياً أوعلمياً لمعنى الانغلاق، ومتى يستحق مجتمع (أو فرد) الوصف بالانغلاق، وهذهالضبابية جعلت الرمي بهذا الوصف شائعاً من الجميع وللجميع. ولوحاولنا إيجاد مفهوم للانغلاق لدى من يستعمله لوجدناه يدور حول الكمالمعرفي، أو - وهو أكثر سطحية - تبني آراء معينة فيها نوع من الشدة علىالنفس أو على الغير. و هذا الفكرة الخاطئة عن الانغلاق لا تساعد المصاببصور من الانغلاق على اكتشاف علته فيبقى في مرضه. وكذلك قد يُرمى فرد أومجتمع بالانغلاق وهو بعيد عنه. ويمكن أن يُقال: إن الانغلاق عبارة عنعدم تقبّل الفرد (أو المجتمع) لفكرة (أو أمر) لدى طرف آخر، ويكون عدمالتقبّل راجعاً إلى جهل وليس إلى معرفة. أي أنه يجهل حقيقة الفكرة ومنطلقاتها لدى الطرف الآخر، بل لديه فكرة مغلوطة أو عمومية أشبه بالضبابية. وبهذا يظهر أن عدم الانغلاق (الانفتاح) يعني معرفة الفكرة كما هي في ذهن قائلها، ثم بناء حكم على هذه المعرفة إما قبولاً أو رفضاً. ولايعني هذا صواب الحكم المتخذ بعد التفهم للفكرة الجديدة؛ لأنها قد تتقاطعمع مصالح وقيم يعدّها الطرف الرافض أكبر من القيمة الجديدة كما في قولكفار قريش: ) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) لما طالبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكلمة: لا إله إلاّ الله، فلماعرفوا مدلولها رفضوها. وكذلك في موقف أبي جهل ورفضه اتباع محمد -صلى اللهعليه وسلم- بسبب التنافس العشائري. وبهذا يظهر خطأ من يظن أن الانفتاح هو: تقبل كل فكرة وافدة فيها انفلات من قيد. ومن الأمثلة التي تضرب هنا قول شيخ الإسلام في [الرد على البكري :2/494]: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية و النفاة الذين نفوا أن الله تعالىفوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكمكفر، و أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهّال. وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم و شيوخهم وأمرائهم، و أصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصورمن معرفة المنقول الصحيح و المعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابنافلهذا لم نقابل جهله و افتراءه بالتكفير بمثله". ومنها كذلك قوله رحمه الله تعالى في [مجموع الفتاوى10 /337 -343]: "الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية يُفسّر بثلاثة أمور:
أحدها:فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته، وما يتبع ذلك فهذاحق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص..... وهذا الفناء لا ينافيه البقاء بليجتمع هو والبقاء.....
الأمر الثاني:فناء القلب عن شهود ما سوى الرب. فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء عنالشهادة ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغيروالنظر اليه... وكثير منهم يرى أنه لا يمكن سوى ذلك لما رأى أنه إذا ذكرالخلق أو الأمر اشتغل عن الخالق الآمر، وإذا عورض بالنبي وخلفائه ادعىالاختصاص أو أعرض عن الجواب أو تحيّر في الأمر. وسبب ذلك أنه قاس جميعالخلق على ما وجده من نفسه، ولهذا يقول بعض هؤلاء: إنه لا يمكن حين تجليالحق سماع كلامه.... وفى مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز معوجود حلاوة الإيمان.... وهي شطحات بعض المشائخ كقول بعضهم: انصب خيمتي علىجهنم. ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع، وقد يكون صاحبها غيرمأثوم وإن لم يكن... ويُحكم على هؤلاء أن أحدهم إذا زال عقله بسبب غيرمحرم فلا جناح عليهم فيما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال المحرمة، بخلافما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمراً محرماً... وكما أنه لا جناحعليهم فلا يجوز الاقتداء بهم، ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة، بل هم فيالخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف....
الثالث:فناء عن وجود السوي؛ بمعنى أنه يرى أن الله هو الوجود، وأنه لا وجود لسواهلا به ولا بغيره، وهذا القول والحال: للاتحادية الزنادقة من المتأخرينكالبلياني والتلمساني والقونوني ونحوهم الذين يجعلون الحقيقة أنه عينالموجودات وحقيقة الكائنات، وأنه لا وجود لغيره لا بمعنى أن قيام الأشياءبه ووجودها به...فهذا كفر وضلال ربما تمسك أصحابه بألفاظ متشابهة توجد فيكلام بعض المشايخ، كما تمسك النصارى بألفاظ متشابهة تُروى عن المسيح".اهـ. فأنتتلحظ كيف قرر شيخ الإسلام الرأي الذي يراه حقاً، ثم لما تكلم على الأقوالالمخالفة لِما يراه تكلم بإنصاف وإعذار لمن كان له مأخذ مقبول، وإن لم يكنصحيح فَعَذَرَهُ ولم يقبل قوله، بعكس من كانت منطلقاته غير مقبولة فلميعذره؛ لأن منطلقاته لم تكن مقبولة، وكل هذا راجع إلى الانفتاح على ما لدىالغير بعقلية من يريد معرفة ما لديه لا ردّ ما عنده فقط. ومن المفاهيم التي تساعد في فهم الانغلاق وطبيعته معرفة أن الانغلاق ليس نوعاً واحداً بل عدة أنواع وهي على ما يلي: انغلاق كلي: أي عن كل ما حوله، وهذا يتصور إذا اجتمعت في حقه أسباب الانغلاق كلها وستأتي إن شاء الله. انغلاق جزئي:وهذا في كثير من شعوب الأرض إن لم نقل جميعها. انغلاق اختياري: أي أنه يميز الوافد الجديد يقبل بعضه ويرفض الآخر. وأسباب الرفض قد تكونراجعة إلى المناطقية أو الثقافية؛ فنجد من يقبل من الغريب ولا يقبل منالقريب لتنافس الأقران، وهناك من يقبل من ثقافة أو ملة معينة ويرفض الجديدلأنه من ملة معينة، إما لصراع تاريخي أو لغيره. فتجده يعامل وينفتح على منيكفرهم بالإجماع، ولا يتقبل ممن هم لديه على الإسلام أو قل مختلف فيإسلامهم. انغلاق طبعي: وهو أن يكون لدىالفرد أو المجتمع نفرة عامة من كل جديد أو وافد، وهذا عندما يتربى الفردعلى التميز والخصوصية والاصطفاء، ولعل اليهود يمثلون هذا المثال بشكل قوي،والعديد من الفرق والأحزاب الدينية والفكرية والسياسية، والتي ترفض أيمراجعة لمنهجها ووسائلها التي تتبعها. ويمكن تقسيم الانغلاق بطريقة أخرى فيُقال: انغلاق كلي اختياري. انغلاق كلي طبعي. انغلاق جزئي اختياري. انغلاق جزئي طبعي.
ومن المفاهيم في الانغلاق مفهومأسباب الانغلاق لدى الفرد والمجتمعولعل من أهمها. الجانب السياسي: وهو ذو شقين: الأول:أن العديد من الأنظمة السياسية ضربت على مجتمعاتها عزلة عن العالم فتراتطويلة وحتى مع الانفتاح الإعلامي نجدها لا تزال تحاول إغلاق ما يمكنهاإغلاقه بل لا تزال بعض تلك الشعوب لا تجرؤ على التقدم نحو ما انفتح لها منمجالات إعلامية لتغلغل ثقافة الخوف من السلطة السياسية و تصورها بأن لهاالقدرة على مراقبة حتى الأنفاس. فهذا الجانب وإن كانت الشعوب مرغمة عليهلكنه أدى إلى انغلاق المجتمع عن غيره من المجتمعات. الشق الثاني:وهو تضليل الشعب تجاه بعض الأفكار، وتصويرها بالعدو لما يقدسه الشعب ويجمععليه، ولقوة وسائل الإعلام في عصرنا كان لهذا الجانب أثر كبير في تضليلالشعوب ورفضها للعديد من الأطروحات الجديدة وعدم التعرف عليها.
الجانب البيئي:وهذا الجانب أرى أنه مؤثر من جانبين أيضاً: الأول:إن البيئات التي يصعب الحياة فيها كالصحراء والغابات و المناطق شديدةالحرارة أو البرودة لا تكون مستقطبة للشعوب والأفراد للعيش فيها بل هيطاردة عنها، وخاصة إن اجتمع مع هذا قلة الموارد الاقتصادية فيها. ولهذاغالباً ما يكون النسيج الثقافي والاجتماعي فيها متفقاً قليل الاختلاف. وهذا لا يساعد على الانفتاح. وهذا قد يكون قبل التطور في المواصلاتوالقدرة على إيجاد بيئات مصغرة مختلف عن المحيط الخارجي؛ فقد تجد بستاناًفي وسط الصحراء ينعم البيت فيه بالهواء البارد في فترات الصيف الحارقة. ولهذا نجد الإقبال على العمل في منطقة كمنطقة الخليج العربي والجزيرةالعربية. الثاني:إن تنوّع البيئات لدى الشعب من ساحل وغاب وصحراء وسهول وجبال ينعكس على تنوّع الأفكار لدى الذي يعيش فيها. وهذا لشقين: الشق الأول:إنها بذاتها متنوعة فلا يكون لدى الفرد توحّد في الرؤية بل تنوّع فيالحياة، وهذا بعكس من يعيش في بيئة واحدة فإنه يرى الحياة بصورة واحدة. الشق الثاني:إن البيئة التي فيها تنوّع في تضاريسها تحوي تنوّعاً في طبيعة أهلها؛ فأهلالساحل منها يختلفون عن أهل الجبل والغاب والصحراء، مما يؤدي إلى التنوّعالثقافي والذي هو أحد روافد الانفتاح. الجانب الفكري (الثقافي):سبق في الجانبين السياسي والبيئي الإشارة إلى أنهما يتداخلان، ويؤثران فيالجانب الفكري وتكوينه من جهة تنوّع الثقافة فيه. وهنا سأركز الكلام علىالجانب الفكري كمصدر ثقافي ومكون معرفي لدى الشعوب والأفراد، وكيف يكونمؤثراً وسبباً في الانغلاق، بدلاً من أن يمارس دوره الطبيعي في الانفتاح. ولعلمن أبرز عوامل الانغلاق التي قد يؤديها الجانب الفكري هو الشعور بامتلاكالحقيقة المطلقة والصواب كله وتعزيز هذا الجانب لدى الأتباع. ونحنهنا لا نريد أن ننساق وراء ما يردّد البعض من كلية هذه القاعدة وعمومها،بل لأننا مسلمون نعتقد بامتلاكنا للصواب والحق الكلي في الكثير منالقضايا، ومنها القضايا العبادية والعقدية، بل والعديد من الكلياتوالفرعيات في مجالات الحياة وشؤونها، ومع هذا فقد تركت لنا الشريعة المجالالأرحب في شؤون الحياة لنبنيها وفق ظروف وقتنا وزماننا، وهذا الجانب قدتسبقنا في معرفته المجتمعات الكافرة؛ لأنه مبني على التأمّل والنظر والفكرأما تلك فمبنية على الوحي. وأما ما هو سبب في الانغلاق فهو: القطع والجزم بامتلاك الحقيقة في المسائل الفرعية والأصولية، والتي لم تكندلالات النصوص الشرعية قطعية في الدلالة على حكمها، ولذا اختلف اجتهادعلماء الإسلام فيها، ولكنهم لم يجعلوها مما يُتنقّص به المخالف، بل عذروهومن هذا كانت قاعدة فقيه الأمة الإمام الشافعي رحمه الله: رأيي صواب يحتملالخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وأشد من هذا من أدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة في شؤون الحياة التي ترك الله لنا بناءها وإعمال الفكر فيها لتطويرها. وبهذايظهر لك أن الانغلاق وصف يمكن أن ينطبق على العديد من شعوب العالم (حتى لوكانت متقدمة مادياً فعلاً) ومن هذا ما ذكره العالم الفرنسي جوستاف لوبونعن الشعب البريطاني والذي كان معجباً به، ويعده في أعلى درجات سلم الرقيالإنساني فيقول: "والواقع أن احتقار الأجنبي وعاداته فاق في الإنجليز ماكان عند الرومان... فهم لا يرعون ناموس الأدب في جانب الأجنبي. ولا تجدبين ساسة الإنجليز واحداً لا يرى جواز استعمال أمور في جانب أمة أجنبية لوأتاها في بلاده لأنزلت به السخط من كل ناحية.... ولقد أصاب القائلون فيرفض الإنجليز بناء نفق تحت المانش يسهل المواصلات على القارة الأوروبية،بأن الإنجليز يهتمون اهتمام الصينيين بمنع كل تأثير أجنبي من الدخول إلىبلادهم". [سر تطور الأمم ص 117]. فهو يقرر وجود هذا الانغلاق لديهم، بل ويعتبره أحد أسباب رقيهم، ولاحظ أن الانغلاق كان عن الأوروبيين!! وأيضاً يتبين أن رفض الفكر الوافد ليس مساوياً للانغلاق، بل قد يكون نتيجة للانفتاح كما أنه قد يكون نتيجة للانغلاق. ولهذافهذه دعوة لجميع مجتمعاتنا العربية والإسلامية للانفتاح على الدعواتالإصلاحية في العالم الإسلامي والتعرّف عليها، ومن ثم الوقوف منها بحسب مايتبين فإما القبول إن كانت حقاً، أو رفضها مع التفهم لمنطلقاتها ودوافعهالإنصافها وعدم ظلمها، بل والحزم معها إن كانت ضرراً على المجتمع. ولعل -والله أعلم- أن هذا المعنى داخل في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). [الحجرات:13]. قالالشنقيطي رحمه الله تعالى: "وقد بين الله -جل وعلا- في محكم كتابه أنالحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هي التعارف فيما بينهم، وليست هي أنيتعصب كل شعب على غيره وكل قبيلة على غيرها". (أضواء البيان:3/45). فالتعرف على الغير ومعرفة ما لديه من فضائل ومحاسن تخفف من غلواء الكبر والفخر، وتخفف من احتقار المقابل وتنقّصه. والله تعالى أعلم وأحكم.