التاريخ:07/05/1429
الموافق |القراء:855
|
نسخة للطباعة
المختصر/
الإسلام اليوم / (تضاربتالأقوال فيما سُمّي بالمسعى الجديد، والحق أن السلف -رضي الله عنهم- اختلفوا فيما هو أبعد من ذلك: اختلفوا في السعي ذاته؛ هل هو ركن أم واجبأم سنة؟ نظرًا لقوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)،وانتصر كل منهم لما رآه، دون إلغاء للقول الآخر، أو اتهام لقائله، أو جفوةفي القول، أو غلظة تطيح بحقوق الإخاء العلمي والإيماني). الشيخ سلمانالعودة. وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلّى بنا عثمان بنعفان -رضي الله عنه- بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود -رضيالله عنه- فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنىركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بمنى ركعتين، وصليت مععمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتانمتقبلتان". ولم يزد على ذلك، ولم يحكم على مخالفيه ببطلان صلاتهم! وأبعدمن ذلك أن ترى ابن مسعود -رضي الله عنه- يقدم إلى منى وقد صلى الناسفيسألهم: كم صلى إمامكم؟ فيخبرونه، فيصلي كصلاته أربع ركعات، فقيل له: "ألم تحدثنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين وأبا بكر صلىركعتين؟! فقال بلى وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كان إماماً فما أخالفه،والخلاف شر". رواه البيهقي. هذا وبإمكانه أن يصلي ركعتين؛ لأن هذه عبادة فردية، بعكس المسعى الذي يعني الشأن العام. وعندماجاء رجل إلى عمر فقال: "إني أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصلّ. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين؛ إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء: فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعّكت في التراب وصلّيت، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسحبهما وجهك وكفيك". فقال عمر: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به". وما رآها عمار كتماناً للعلم، ولا أنكر عليه عمر قولته، ولكنهما رأيا مجالاً رحباً يتسع للرأي وخلافه. وهذا وغيره مثال يُحتذى، وهدي يُقتدى، وأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. وأنتترى كيف جعل الصحابة -رضي الله عنهم- الاختلاف في العقول منهجاً وسنةتُبنى عليها الأحكام الشرعية، بعكس اختلاف القلوب؛ فقد ذموه وكرهوا أنيكون له أثر في حياتهم وعباداتهم. والله تعالى نهى عن التفرّقوالاختلاف، وليس المراد بذلك اختلاف الرأي قطعاً؛ لأن الصحابة -رضي اللهعنهم- اختلفوا في آرائهم اختلافاً كثيراً، ولكن المقصود هو اختلاف القلوبوتفرقها؛ لأنا نجد الصحابة -رضي الله عنهم- قد كرهوه وذمّوه، وأفعالهمومنهجهم جزء نستضيء به في تفسير كلام الله تعالى. وتوسعة المسعى الجديدة تُعدّ من النوازل الفقهية المعاصرة التي ابتلى الله بها عباده ليمتحن عقولهم وأخلاقهم. وكغيرها من المسائل المعاصرة فلا بد لهذه النازلة من فقه نفقه به حكمها، وسلوك نعرض به آراءنا. فأماالفقه فالمجال رحب، والمسألة ليست من قطعيات الدين، ولا من أصولهالمحكمات، ولكنها مسألة اجتهادية تقبل الرأي وخلافه، ومهما كان الاختلاففلا يصح أبداً أن تُهتك من أجله حرمة الآداب العلمية، أو تقطع حبل المودةالإسلامية. وأما السلوك فلا مرحباً بالخلاف فيه، ولا لمجال للنـزعاتالشيطانية في قلوب عباد الله المخلَصين من العلماء الربانيين، الذيناصطفاهم الله تعالى ليهدوا الناس سواء السبيل. وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن لعن شارب الخمر، وقال: "لاتلعنوه فإنه يحب الله ورسوله"-مع كثرة ما يؤتى به- فأولى منه وأحق بالمودةمَن بذل جهده وأخلص نصحه وسلك سبيلاً يراه موصلاً إلى رضوان الله ومصلحةالمسلمين؟! وعلى هدي الشافعي: ألا يصح أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟ وبالله تأمل معي المسائل الخلافية التي وقعت في عصر الصحابة -رضيالله عنهم- وكثير منها يُعدّ من النـوازل التي لم يتلقوا فتيا النبي صلىالله عليه وسلم فيها، ومع ذلك تعاملوا معها بناء على المنهج الذي رباهمعليه صلى الله عليه وسلم - وهو قبول الخلاف في تلك النوازل- ولم يفكروا فيجمع العساكر من أجلها. وأول مسألة مسألة الخلافة واجتماعهم في السقيفة،ثم تباين آرائهم في مواجهة المرتدين، وفي عهد الفاروق لم يقطع يد السارقفي الرمادة، وزاد في جلد شارب الخمر، وفي عهد عثمان زاد أربع ركعات فيمنى، وغير ذلك من المسائل الشرعية الكثيرة التي تختلف فيها وجهات نظرهم،ولكن قلوبهم قد سلكت فيها سبيلاً واحداً أُسِّس على تقوى من الله ورضوانفلم يفلح الشيطان في تفريق جمعهم. وبعض هذه المسائل قد يبدو ظاهرها مخالفاً للنصوص النبوية، ومع ذلك فلم تكن مجالاً للصراعات، ولا ميداناً لتبادل الاتهامات!! وفقهآخر تلحظه عند الصحابة -رضي الله عنهم- عندما يرتع الرعاع في الأمورالاجتهادية فيلجموهم بلجام: (ليس لك من الأمر شيء)، ومن هنا أوصى عبدالرحمن بن عوف أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما هم أنيتحدث إلى الناس بمنى قائلاً: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل؛ فإن الموسميجمع رعاع الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فيالناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يُطيِّرها عنك كل مُطيِّر وألاّيعوها وألاّ يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرةوالسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهلالعلم مقالتك ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إن شاء اللهلأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة). وهكذا شأن النوازل التي تحلبالمسلمين، ينبغي أن تكون الآراء فيها متداولة على مائدة المؤسساتوالهيئات الإسلامية بحسب اختصاصاتها، وأن تخرج الآراء باسم المجموعة لاباسم الأفراد. ولا يعني هذا إلغاء الآراء الفردية، ولكن عمل المسلمينفي مشارق الأرض ومغاربها يجب أن يكون بناء على ما يراه المجتمعون لاالأفراد من أهل الحل والعقد، سواء بالأغلبية أو بالإجماع