الإسلام اليوم / الحوارقيمةٌ إسلامية عتيدة، وسنة قرآنية قويمة، ومَناخٌ رحْب لأولي البصائروالرؤى.. إلى الحوار يتنادى العقلاء، وإلى الحوار يأرز الحكماء، وإلىالحوار يتداعى النبلاء.. بالحوار تئد الأمة خلافاتها، وبه تُبَدِّلُقناعاتِها الزائفة، وبالحوار تَطَّرِح الأمم المنتن من أخلاقها وعاداتها،ولا تُعرض أمةٌ عن الحوار إلاّ وأُصِيبت مقاتلُها، وتشتت جمعها، وحالتقوتها، وتبوّأت من الصفوف أواخرها.. فالأمم من حولنا في حوار دائم؛لذا أثمرت تلك الحواراتُ الراقيةُ عذب النتاج، فها هي تنتقل بالحوار منفنن إلى فنن، ومن عزّ إلى عزّ، ومن عسر إلى يسر؛ حتى غدت أمثولةً تُحتذىونبراساً يُقتدى. وعندما نتفكر في حالنا ومآلنا نعضّ الأنامل ندماً ألاّيكون لنا كمسعاهم، وعلوٌ كعلوّهم، والأمرُ كان أيسر لو أخذنا بالحوار. إنهبحق مدعاة للعجب أن أمة لا تأخذ بالحوار وكل أمرها يدعو إلى الحوار؛فكتابها ورسولها وموروثها الثقافي والمعرفي ناطقٌ بالحوار، بل إن إلهها -جلّ في علاه- نقل لنا بعض محاوراته مع خلقه، فلو اطلعت على بواكير القرآنوأول سوره المباركات؛ لوجدت ذلك الحوار العظيمَ الراقيَ بين الإلهوملائكته المقربين في شأن خلق آدم؛ لينتهي الحـوار تلك النهـاية الهادئةالملأى بالتسليم ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ). [البقرة : 32]، ولا يزال الحوار في الملأ الأعلى دائباً لا يفتر؛ فها هوذا موسى يَلقَى أبا البشر آدم لينشب الحوار بينهما في مسألة من أعتىالمسائل ومن أكثرها تعقيداً على مر الأيام والأعصار، وهي مسألة القدر؛لتغلب الحجةُ من آدم قول موسى عليهما السلام؛ ليكون قول الأب حجة علىذريته، وإليها يركن كل من ألقى القياد إلى ربه تسليماً. وعندما تعالج آياتالكتاب العزيز قراءة وتدبراً تلمح تلك الحوارات الهادئة بين من قَبِلَالدعوةَ ومن أعرض عنها، لا في الدنيا فحسب، بل وفي المحشر، وبعد أنيُقْضَى بين العباد، وتلك الحوارات المبثوثة في ثنايا الذكر الحكيم تأخذبالإيجاز البليغ سبيلاً لها، وبالإقناع سبباً وثيقاً لمتنها، وبالعبرةملجأ يعصم من مضلات الفتن. كم هي قويمة تلك الحوارات؟ وكم هي مستقيمةتلك المنارات؟ إنها لتوقفنا نحن المسلمين على بعد النَّجْعة في خطابنا،وعِظَمِ الرزية في جدالنا؛ لتأخذ بنا لو عجنا إلى هديها إلى رحبة التأثروفسحة التأثير (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍيَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِقَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُممِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُرَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَفَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَنَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَاإِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُواآلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَالْمُرْسَلِينَ).[الصافات:27ـ37] كلمات وعبارات قليلة لكنها خيرٌمن طلاع الأرض من الجدال السوفسطائي النتن، الذي لا يحمل من المضامين سوىهمّ الغلبة وفرد العضلات على الخصوم، وعندما تفتش لا تجد إلاّ سفهاً منزوعالبركات! وعندما تدقق وتتفحص لا تَلْقَى إلاّ ركضاً وراء سراب بقيعة لايُرجى منه رياً، وتلحظ من أولئك المتحاورين المتنافرين تغريداً خارجالسرب؛ فالأمة في واد، وهم في واد آخر، وإن أرادوا لفت الأنظار انتجعواالجراح ومواطن الفتن فصبّوا عليها الوقود لتتأجّج نارها؛ ليحيلوا الوحدةفرقة والجمع شتاتاً. هذا حالنا، وهذا واقعنا في حواراتنا وما تقذف بهالقنوات الفضائية خير شاهد على ذلك.. وعندما نتوجه إلى الحوار الخيرالذي نرجِّي من ورائه المنفعة، ونستقطب به العقلاء، ومن له في الحكمة نسبوسبب ـ وكثيرة تلك الحوارات ـ نلحظ أن النتاج منها لا يتوازى مع الجهدالذي يُبذل، والنفقاتِ التي تُصرف، والأوقات التي تُهدر، ولا ريب أن من لهمسكةً من عقل عندما يبصر ذلك يأخذ به الأسف من بين يديه ومن خلفه وعنيمينه وعن شماله، وربما فكَّر وقدَّر وأَبدى وأَعاد في سبب هذا الخُلْف،ولا ريب أنه واقف على شيء منه، وعن معوقاته التي تشلّ من حِراكه، وتحدّفعالياته. فلو دققنا لأدركنا أننا نأتي لحواراتنا التي نلتمس من ورائهاالرفعَ من كبوتنا بنوايا ينقصها الصدق؛ فهي لا تعدو أن تكون تكأةً لامتصاصغضبة الجماهير وتفريجِ نقمتهم المكبوتة خوفاً من انفجارها، فهي في عرفالمترفين حيل نفسية، وهذا منتهى نتاج هذه الحوارات عندهم؛ لذا تكونالأدراج مأوى لها قبل أن يُقذف بها في سلال النسيان، فتتوالى عليناالنكبات إثر النكبات، وتحمل في تراكماتها صعوبة الحلول، ولو نظرنا لمنحولنا لوجدنا أنهم يقبلون على حواراتهم بأفئدة ملؤها الصدق واليقينوالرغبة في الإصلاح؛ وكل نتاج تلك الحوارات عندهم قابل للتنفيذ؛ لذا ذلّلتمنها الصعوبات وفُرّجت الكربات، وما ترفل فيه اليابان بعد هزيمة الحربوخراب الديار؛ كان نتاج حوار صدقت فيه النوايا فأثمر ما ترون. ولوتقدمنا قليلاً حيث تعقد تلك الحوارات لوجدنا أن المتحاورين أطياف الهوى،وثقافاتهم تتوزعها تيارات متباينة، وكل منهم يبتغي نصراً لثقافته، ولو كانعلى حساب البلد وأهله ودينه، فنجاح تلك الحوارات في مخيلته مرهون بتفوقثقافته وفكره، ولو كان الفكر منحرفاً، ولا يتعدى من يؤمنون به أصابع اليدالواحدة؛ فمن كان على هذه الشاكلة هل نرتجي منه فكراً نيراً يأخذ بنا إلىمواطن الداء؟ أو يقف بنا على موطن الخلل؟ كيف وهو الداء نفسه وهو مكمنالخلل، فهو إسفين يبتغي نقض بناء المجتمع ويحيله خراباً تنعب فيه بومالدمار، حتى لو افترضنا أن فيه نزعةً وطنية؛ فإن من يمّم الوجه نحوهم ـتأثراً ـ يمنعونه من الأخذ بهذا النهج؛ لأنهم لا يريدون لمن جاورهم نجاحاًأو فلاحاً. فالحوار لكي يؤتي ثماره لا بد أن تتوحد فيه النزعة الثقافيةلدى المتحاورين أو تقارباً فيها. أما من يحمل النقمة على المجتمع ودينهوحكامه وموروثه الشعبي، لا ريب أن الحوار معه لا يورث المجتمع إلاّ فرقةوشتاتاً؛ لذا نلحظ أن الأمم من حولنا لا تختار لصناعة الحوار إلاّ العقلاءوذوي الرأي لإنجاح مسيرتها. ولو التفتنا لوجدنا أنا نتداول في حواراتناأسساً كان من المفترض أن تكون من المسلمات التي لا تقبل المساومة عليها أوحتى التعريج عليها بقول أو بنقد؛ كالتي تكون من أولويات الدين وركائزهالثابتة، التي لا يختلف عليها عاقلان ولا تنتطح فيها عنزان، ولا ريب أنوضعها تحت مجهر الحوار، يقلل من مصداقية من تشدق بها، أو أقام عليها بناءدولته. فتجعل منه مطمعاً لمن كان في عماية عنه، أو يَظن فيه القوة هكذاحالنا. نسأل الله صلاح الحال والمآل. ويكون على هذا المنحى والشاكلةتلك الأسس التي تتعلق بمسيرة بناء للدول كخططها الطويلة المدى. فالوظيفةمثلاً حق للمواطن على دولته؛ فيفترض أن الدول قد أخذت في حسبانها كثرةمواطنيها على تقدم السنين وكثرة الخريجين من أبنائها؛ فتوجد لهم منالوظائف والفرص ما يتواكب مع تلك الطفرة، لا أن تأتي بعد ذلك فتجعل من تلكالمسلمة موضعاً للحوار ممن لا يملك الآلية ولا الخلفية التي توقفه علىعظيم من التبعة. فبالتالي يقع المواطن رهينة لعمل لم تنضجه التجربة ولاالحنكة، وجناية مثل هذا أكثر من نفعه. إن افتتاح الدول خاصة في عالمناالعربي قنواتٍ للحوار بينها وبين شعوبها، كفيلٌ بردم الهوة التي تتضاعف كليوم بسبب الجفوة بين الشعوب وحكَّامها، والذي أورث المجتمعات الإسلاميةنشازاً في حِراكها نحو التقدم، ولا ريب أن البدايات لها صعوباتها، ولكنهاتذلل بإقصاء روح التعالي من قبل الحكومات تُجاه شعوبها، حيث لا زالت ترىالحكوماتُ العربية أن الشعوب لا تزال لا تعي ما فيه صلاحها، فهي لا تزالتحتاج إلى وصاية، وكفى بذلك داء ومثبطاً للشعوب؛ ولو نَظَرت تلك الحكوماتُوتفرَّست لأدركت أن الشعوب العربية -وبفعل النخب الشابة- بدت تعي وتقرأ مابين السطور، وقادرةٌ على التعاطي معه، بل إنها لترى في الحراك الحكوميرتابة مملة لا تتناغم مع ما يجري في العالم المعاصر، وهذا في ظنها هو سببالتخلف والتأخر عن ركب الأقوياء، وهذا حماس تحتاج الأمة له، بل لو لم يوجدلسارعت الأمم إلى إيجاده، وافتعلت الأسباب التي تجعل منه متأججاً فيالنفوس. والحماس الشبابي أمر كريم وقيمة عظيمة تعطي مؤشراً على حياة الأمةوشبابها، ولكنه لكي يؤتي ثماره يانعة، يحتاج ـ ولا ريب ـ لحكمة الشيوخوتجاربهم في هذه الحياة، وهما كالجناحين للطائر بهما يستطيع معانقةالفضاء، وإن فقدهما أو أحدهما فلا مكان له في الحياة أو في عالم الأقوياء،ونحن في بلدنا هذه انتظمنا حكمة الشيوخ وحماس الشباب،ولكننا لا نزال فيبعد عن معين الاستفاده منهما، ولكن ربما تهيئ حوارتنا المناخ المناسبللاستفادة من هذين القطبين في إشعال مركبة التقدم. وليس الأمر حكراًعلى ما تقدم، بل لا بد أن تكون الحكومات أكثر تسامحاً مع من يريدون النهضةبها ولها، وأن تتقبل كل ما تفيض به قرائحهم من آراء وإن خالفت بعضاً منأسسها، فربما كان في تلك الآراء الفرج من الضوائق. وروح التسامح كفيلةٌباستنهاض الهمم للبحث والقول، كما أن القمع يُغَيِّبُ روح الإبداع منتجاويف العقول وينسخه، فكم نحن في حاجة لهذه القيمة في حوارتنا؟ وكم نحنقي حاجة للشفافية إن كنا نسعى صادقين لوأد اختلافنا وتخلفنا، والألف ميلقيل: تبدأ بخطوة. وهنا ملحظ وهو أن الأمة الإسلامية مع خصومها لا بد أنتطرح خيار العنف من حسابها، وأن تستبدله بخيار الحوار؛ لأنه وطيلة السنينالماضيات لم يجلب للأمة الإسلامية إلاّ الخرابَ والدَّمارَ، خاصة والعالماليوم -ومع وجود قنوات الاتصال المختلفة- قام بالإلحاح على الحوار لتبديلالقناعات؛ والأمة الإسلامية لا تعدم الحجة، بل وحجتها بالغة لو استطعناإيصالها للعالم من حولنا؛ فبكلمة طيبة من ذي عقل كفيلة بتحطيم قوة الشرونبذها. والحجة لا تُقارع إلاّ بالحجة، ولله الحجة البالغ