المركز الفلسطيني للإعلام / من الناحية السايكولوجية تستدعي المصطلحات نقيضها، فالانسحاب يذكر على الفور بالاحتلال، كما يذكر السلام، إذا كان حقيقياً، بالحرب. وعندما يتم الاحتلال بالجملة كما حدث في يونيو/ حزيران 1967، وخلال أقل من أسبوع واحد، فإن الانسحاب الجزئي والمشروط والناقص يتم بالتقسيط وحسب أجندة المحتل، الذي غالباً ما يزرع مسمار جحا في أكثر من جدار.
والصقور الخمسة التي اصطادها الانسحاب الناقص من غزة هي تصوير شارون للعالم كأنه الليبرالي المعتدل، الذي وقف المستوطنون الرافضون للانسحاب على يمينه، وهو بحاجة إلى غسل سمعة سياسية بعد أن تنقعت يداه حتى الكتفين في الدم.
والصقر الثاني، هو إيهام الفلسطينيين بأن الانسحاب حتى لو كان جزئياً ومشروطاً إنما يلبي شهوة وطنية مزمنة، بحيث يصبح مصطلح الانسحاب فوسفورياً، يصيب من يحدق إليه بالعمى المؤقت.
والصقر الثالث، الحصول على مساعدات إضافية من الولايات المتحدة، لتعويض المستوطنين المدللين عن سرقاتهم، وكما حدث قبل خمسة عشر عاماً، عندما أطلق بوش الأب ضمانات القروض ثمناً لصمت الدولة العبرية إزاء الصواريخ التي أطلقت من بغداد، فإن هناك على الدوام لحظة مماثلة، تتقاضى تل أبيب من خلالها الثمن، وتضاف إليه نسبة من "الربا" على المستويين الاقتصادي والسياسي.
والصقر الرابع، هو عقد مؤتمر قد يؤدي إلى تطبيع كامل للعلاقات العربية مع الدولة العبرية، ما دام ثمن هذا التطبيع قد دفع من خلال الانسحاب. وتراهن كوندوليزا رايس على الغيبوبة القومية التي سوف تتسبب بها هذه الجرعة التخديرية من انسحاب وهمي.
والصقر الخامس، هو الاستفراد بالضفة الغربية وعزلها، فالتجزئة خطة صهيونية خبئت في الأدراج لبعض الوقت، وما تم احتلاله بكامل جسده وأعضائه يعاد، إن أعيد، أشلاء، ومساحات متشظية ومخترقة، إضافة إلى تحويل القرى والمدن إلى "ثآليل" كتلك التي تعالج بلف خيوط حريرية حولها كي تعزلها عن الدورة الدموية، ومن ثم تذبل وتيبس وتسقط من تلقاء نفسها.
وقد يبدو هذا أشبه بما تصوره حكاية شعبية موروثة عن غراب عَف عن عدة وجبات أتيحت له.. ثم قال وهو يتضور جوعاً: آهٍ على ذبابة!
لكن من ينصرف ذهنهم إلى مثل هذا التصور أو هذه المقاربة الكوميدية، يتجاهلون جملة حقائق دفعة واحدة، أولاها أن الاحتلال لم يتم بالتقسيط وعلى مراحل، كما يراد للانسحاب أن يكون، وإذا كان الضعف قد يملي على من تورط به أن يقبل بالقليل، فإن متوالية السطو الاستيطاني قد تحول هذا القليل إلى عدم، وما ينبغي التحذير منه بصوت مسموع، هو تصوير انسحاب كهذا كما لو أنه زفاف وطني، تقرع له طبول الاستقلال، ويودع فيه الاحتلال بجرار فخار مكسورة.
المشهد أعقد بأضعاف مما يبدو من سطحه، والجنرال الذي يسعى إلى غسل وتبييض صورته لن يفلح في هذا الرهان، لأن الضحايا ليست مقلوعة الألسنة أو مسمولة الأعين، والشهود لا يزالون على قيد الحياة والبلاد.. حتى لو كانوا شهداء على بعد صرخة واحدة من قيامتهم