الحياة / من الواضح أن بعض ليبراليينا قد خطوا خطوة جديدة بعد عمليات لندن وشرم الشيخ، إذ شنّوا حملة على جماعة «لكن» في سياق الحديث عن العنف الأعمى (لا نحب استخدام مصطلح الإرهاب الأميركي)، وهم أولئك الذين يربطون تلك العمليات بعالم السياسة والاستهداف الذي تتعرض له الأمة، وهذا المصطلح (الاستهداف) كان له حظه من الهجوم، لأنه بحسب اعتقادهم تبرير للإرهاب، وربما تحريض عليه أيضاً.
دعونا نعلن منذ البداية أننا لن نتوقف عن استخدام تلك الـ «لكن» اللعينة، ومعها مقولة الاستهداف، لأننا بكل بساطة لن ننحاز إلى لغة المحافظين الجدد التي يتبناها بعض غلاة العلمانيين والحاقدين على الإسلام والمسلمين في بلادنا.
واللافت أن من يطالبوننا بالتوقف عن اقتراف ذلك الإثم لا يزالون يقرّون أو أكثرهم في أقل تقدير بحقيقة الاستهداف كما يتجلى في الساحة الفلسطينية، لكننا نؤكد لهم أن شعور الأمة بالمهانة والإذلال ليس رهناً بالملف الفلسطيني. صحيح أن فلسطين هي راية الروح ومهوى الأفئدة، لكن ما تبقى من المسلسل لا يمكن تجاهله.
لسنوات طويلة امتدت من عام 1991 وحتى عام 2000 انشغل العالم العربي والإسلامي عن قضية فلسطين بعد أن سار بها قادتها في متاهة مدريد ثم أوسلو، قبل أن يصطدموا بالجدار المسدود في قمة كامب ديفيد. لكن الشعور بالاستهداف والإذلال لم يتراجع، بل كان حاضراً على نحو استثنائي في المشهد العراقي؛ فمن إذلال ذلك القطر العربي الكبير بهزيمة نكراء ترتب وجود عسكري أميركي في المنطقة، إلى قتل مئات الأطفال العراقيين بسبب نقص الغذاء والدواء الناجم عن الحصار الجائر.
إلى ذلك، كان المشروع الإسلامي الناشئ في السودان يستهدف ويحاصر بسبب طروحاته، فيما كانت الولايات المتحدة تتواطأ مع الأنظمة العربية على قمع التيارات الإسلامية من الجزائر إلى تونس إلى فلسطين ذاتها، منقلبة على الإسلاميين عموماً بعدما اكتشفت أنهم رأس المعارضة لمشاريعها في المنطقة.
في العام 2000 اندلعت انتفاضة الأقصى كرد على نيات إذلال الفلسطينيين والعرب والمسلمين من خلال تسوية لم يقبلها حتى أكثرهم انبطاحاً في عالم السياسة، وجاء اندلاعها في زمن الغزو الفضائي، وهكذا تحول الدم الفلسطيني إلى وقود للرفض فيما سادت ثقافة المقاومة عموم الشارع العربي والإسلامي حتى رأينا زعماء عرباً يتحدثون عن المقاومة بلغة الثوار مجاملة للشعوب.
جاءت هجمات أيلول 2001 في الولايات المتحدة. وفيما كان الإرهاب هو العدو الطبيعي، فقد تحولت البوصلة نحو العراق منذ الساعات الأولى للهجمات، فكان الغزو الإمبريالي المدفوع صهيونياً، والذي افتقد الحد الأدنى من المسوغات الأخلاقية والقانونية، ولتغدو مشاعر الرفض والعداء للولايات المتحدة هي القاسم المشترك لدى المسلمين في طول هذا العالم وعرضه.
بعد ذلك كله يريدوننا أن نتوقف عن مقولة الاستهداف، الأمر الذي يبدو مستحيلاً، لأن معنى ذلك هو الإقرار بأننا إزاء ظاهرة فكرية ينتجها الإسلام كدين، وإلا فما معنى الحديث عن المعاهد الدينية والمناهج الدراسية، الأمر الذي لا يحدث مثله في التعامل مع المجموعات المتطرفة في الدولة العبرية ولا مع عشرات المليشيات المسيحية اليمينية في الولايات المتحدة، كما لم يحدث من قبل مع الجيش الجمهوري الإيرلندي.
وإذا عيّرنا البعض بأن الفيتناميين وكثيراً من الشعوب المستعمرة لم يخوضوا معركة مع الأميركان خارج بلادهم على رغم طغيان القوة الذي واجهوه، فإننا لن نكتفي بالتذكير باختلاف المعطيات بين زمن العولمة ومن ضمنها عولمة العنف وبين حقبة الستينات، بل سنذكّر أيضاً بأن الأمة العربية والإسلامية ليست بلداً واحداً، بل أمة تتوزع في طول العالم وعرضه تشعر بالمهانة والإذلال من الاستهداف الأميركي، ويكفي أن تتسرب أنباء ما جرى ويجري في غوانتانامو وأبو غريب، فضلاً عن المدن الفلسطينية والعراقية حتى تنتشر مشاعر الكراهية انتشار النار في الهشيم.
من المفيد هنا أيضاً تذكير سادة العقل والرشد بأننا لم نكن متفردين في سياق تفسير ظاهرة العنف الراهنة بتفاقم مظاهر الكراهية للإمبريالية الأميركية ومن يوالونها، بل ثمة معنا عشرات، وربما مئات السياسيين والمفكرين الغربيين، ومعهم شعوب أيضاً كما في بريطانيا. فهل كان هؤلاء يبررون الإرهاب، فضلاً عن أن يشجعوه؟!
من المؤكد أننا نشعر بالحزن جراء أعمال من أمثال تفجيرات شرم الشيخ والدار البيضاء والرياض ولندن ومدريد وبالي وقطر وسواها، والسبب هو أننا ببساطة رسل دين لا يزال الأكثر انتشاراً في العالم على رغم كل عمليات التشويه، كما أننا أصحاب مظالم تتيح لنا استقطاب أحرار العالم إلى جانبنا حين نحسن عرض قضايانا والدفاع عنها، وقد رأينا كيف أدت المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك الاستشهادية إلى تجييش الرأي العام الدولي إلى جانبنا وضد العدوان الصهيوني، حتى تبوأت الدولة العبرية مكانة الدولة الأخطر على السلام العالمي إلى جانب الولايات المتحدة في استطلاع الاتحاد الأوروبي قبل ثلاث سنوات.
لكن الأهم من ذلك كله هو تأكيد عبثية حشر ردود الأمة العربية والإسلامية على العدوان الأميركي بتلك العمليات المرفوضة التي تجري هنا وهناك، بل ان من غير العسير القول إن هذا النمط من العمليات لا يزال يؤثر سلباً في المقاومة المشروعة التي تخوضها الأمة في أماكنها الطبيعية، وإلا فأي شعب هو الذي بدأ مقاومته للمحتلين بعد أيام وربما ساعات من الاحتلال كما هي حال الشعب العراقي، وكما هي الحال في أفغانستان التي رفض قادتها بيع أنفسهم للمحتل وتنازلوا عن السلطة وذهبوا إلى الجبال يخوضون حربهم ضد الغزاة؟!
أما في فلسطين فقد تجلت أروع جولات البطولة، ولولا خذلان النظام العربي الرسمي لما كان للمقاومة أن تتوقف قبل أن تدحر الغزاة، فيما لم تتورط قواها الإسلامية بأي عمليات إشكالية خارج الحدود على رغم قدرتها على فعل ذلك لو أرادت.
ما يجري هو ظاهرة سياسية لا تواجه بالحلول الأمنية، بل ان هذه الأخيرة قد تفعل العكس حين يجري التعسف في تطبيقها، وليس سراً أن أكثر التحليلات المصرية قد ربطت بين هجمات شرم الشيخ والتوسع في الإجراءات الأمنية بعد هجمات طابا التي وقعت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي واستهدفت سياحاً إسرائيليين، إذ طالت عمليات الاعتقال والتعذيب المئات من الأشخاص من العشائر البدوية في سيناء، الأمر الذي ينسحب على دول أخرى كان للتعاطي الأمني المفرط تأثيره في اتساع الظاهرة، خلافاً للحالة اليمنية التي تجاوزت الحل الأمني نحو الحوار بالحسنى فتراجعت الظاهرة على نحو واضح.
إن كل المواقف التي دانت هذا اللون من العنف، والتي صدرت وستظل تصدر من القوى الحية في الأمة، لن تكون قادرة على وقف هذه الظاهرة ما لم تتراجع أسبابها. وهي في كل الأحوال مواقف تنبع من الإيمان بأن العنف الأعمى لا يخدم قضايا الأمة ولا صورة رسالتها الرائعة، بقدر ما يمنح متطرفي الإدارة الأميركية مزيداً من الوقود لمعاركهم البائسة.
مرة أخرى نقول إننا لا نبرر ولكننا نفسر، ولا نحرّض على العنف الأعمى الذي يصيب الأبرياء غير المحاربين، ولكن على المقاومة المشروعة التي نتابع بعض فصولها في فلسطين والعراق، مع أن المقاومة لا تنحصر في الكفاح المسلح، ولا حتى في دعم من يمارسونه، بل أيضاً في كل ما من شأنه المساهمة في صد العدوان، مثل تعميق وعي الأمة بقضاياها وتكريس وحدتها في مواجهة العدوان الخارجي.