المركز الفلسطيني للإعلام / خلال الأسبوع الماضي كانت هناك فضيحة وكانت مناسبة حزينة. الأولى كانت فضيحة بيع إنجلترا في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي مادة الماء الثقيل للكيان الصهيوني التي ساعدته على صنع قنابله الذرية. كانت الصفقة بحوالي عشرين مليون جنيه، لكن معانيها المعنوية والأخلاقية ليس لها حدود ولا ثمن. فالدولة التي قدمت فلسطين هدية للصهيونية أعطت السارق قوة هائلة للاحتفاظ بما سرق. حتى الأسبوع الماضي كان الاعتقاد أن الدولة التي ساعدت الصهيونية على صنع القنبلة الذرية كانت فرنسا وحدها. اليوم تبين أن اليد التي كانت ملطخة بالدم كانت نفس اليد الملطخة بالعار.
الثانية كانت مناسبة ذكرى إلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية منذ حوالي ستين عاماً من قبل أمريكا. الجديد شبه المؤكد في الأمر أن الحكومة الأمريكية كانت تعرف عن عزم اليابان على الاستسلام خلال بضعة أيام، لكن الحقد الأعمى والرغبة البربرية الأمريكية في تجربة آثار القنبلة على بشر أحياء وعلى تجمع سكاني محدد دفعها إلى التضحية بعشرات الألوف من القتلى ومئات الألوف من الجرحى والمشوهين. لو أضفنا أن إنجلترا قد ساهمت في تمزق الوطن العربي إلى دويلات وأن أمريكا استعملت بارجة ليبرتي المشهورة للتجسس على الجيش المصري في حربه ضد "إسرائيل"، وفي تجنيد خمسة عشر ألفاً من المرتزقة لمحاربة الجيش المصري في اليمن في أوائل الستينيات، وفي إمداد الكيان الصهيوني بتكنولوجيا الصواريخ البالغة التقدم، ثم أضفنا الأكاذيب التي ظهرت بهما الدولتان لتبرير الحرب العدوانية على العراق حسبما يظهر يومياً في شكل كتب وتقارير وشهادات وفضائح.. لو قدمنا ذلك لقسم كبير من إعلامنا العربي المرئي والمسموع والمقروء، فهل سيكون كافياً بأن يقتنع بأننا أمام دولتين استعماريتين لا تؤمنان بأي قيم ولا بأي أخلاق ولا بأي عدالة أو رحمة؟ أم أن القائمين على ذلك الإعلام سيلجأون إلى الحيلة إياها، باتهامنا بأننا مازلنا أسرى شعارات الخمسينيات الأيديولوجية؟
حقائق التاريخ وفضائح الإخفاء والكذب تطرح على الساحة الإعلامية العربية أسئلة لابد من الإجابة عليها:
أولاً: ما الذي يدفع بفئة كبيرة من الكتاب والإعلاميين العرب، من الذين لا ينتمون إلى مجموعات الخيانة والنخاسة ولا إلى مجموعات البراءة الطفولية في السياسة، إلى الإصرار على التعامل مع الوجود الاستعماري لهاتين الدولتين في العراق وكأنه موضوع قابل للأخذ والعطاء ووجود ينطلق من حسن النوايا لقادة الدولتين؟
ولماذا يتجاهل هؤلاء عشرات الكتب التي أصدرها صحفيون ومحللون سياسيون ومفكرون فلاسفة وأساتذة اقتصاد في أفضل الجامعات في البلدين والتي تشير جميعها إلى أن غزو العراق كان من أجل بترول العراق والخليج ومن أجل الهيمنة الصهيونية على المنطقة وكجزء من استعمار جديد يلبس لباس العولمة والديمقراطية الليبرالية؟
ما هو السبب الذي يجعل مؤلفي تلك الكتب من مواطني تلك الدولتين يقرأون التاريخ والسياسة والاقتصاد قراءة صحيحة وعميقة ويجعل الكثيرين من العرب المماثلين لأولئك في المكانة العلمية والفكرية والقدرات يقرأون التاريخ والسياسة والاقتصاد قراءة مشوشة بليدة صبيانية؟
ثانياً: أي نوع من المنطلق ذلك القادر على أن يتصور أن دولتين بهذا التاريخ المخزي في تعاملهما مع العرب. وبالممارسة المنتظمة في الماضي والحاضر للكذب والتلفيق، قادرتان على الانسلاخ من طبائع الأمور في تركيبتهما السياسية والانتقال إلى وضع الراعي الحنون للحرية والديمقراطية في أرض العرب؟
ثم أين ذهبت مقولة هرتزل، مؤسس الصهيونية بشأن إنشاء "إسرائيل" لتكون قلعة المدنية الغربية أمام بربرية الإسلام هل سيسمح أحفاد هرتزل بأن تنسى إنجلترا وأمريكا هذه المقولة في الوقت الذي تقوم حملة ضد الإسلام تحت غطاء محاربة الإرهاب؟
ثالثاً: لهتلر مقولة مشهورة من أنك إذا أعدت الكذبة مائة مرة فستبقى كذبة، أما إذا أعدتها عشرة آلاف مرة فإنها ستصبح حقيقة، ألا تمارس الدولتان، وهما ترددان أكذوبة رغبتهما في الديمقراطية للعرب، نفس اللعبة الهتلرية؟ ألم يقع كتاب العرب ورجال إعلامهم من الذين أشرنا إليهم سابقاً في أحابيل هذه اللعبة؟ إذا كان إعلاميو العرب وكتابهم لا يشرحون للإنسان العربي مخازي تاريخ من عاداهم وأحابيل سياسة من يريد خداعهم، فمن يا ترى سيفعل ذلك؟